بقلم: فضيلة الأستاذ مصطفى إدبواعلي – بلاحدود bilahodoud.ma
(نرمي من خلال هذه الفسحة الرمضانية، تقريب القارئ الكريم بمجموعة من الغايات التي لأجلها فرض الله عبادة الصيام، و من خلالها سنشير لمجموعة من العباد و الزهاد و علاقتهم بهذه العبادة العظيمة…).
الفسحة الأولى :
لازال صوت أستاذي يرن في مسمعي و هو يُعرف لنا عبادة الصيام على أنه : ” الامتناع عن شهوتي البطن و الفرج من طلوع الشمس إلى غروبها بنية التقرب الى الله “، فشبّ فؤادي على هذا التعريف المحدود الذي يجعل الناظر لهذه العبادة يعتقد أنها منحصرة في شهوتين فقط لا غير .
هذا الأمر، ولّد لدينا في مجتمعنا صورا نمطية لفهم الصيام عند أكثر الصائمين، الذين يعتقدون أن الصيام جوع بالنهار، و أكل بنهم بالليل.
لم تكن دعوة النبي غامضة أو مبهمة حين علّم أصحابه قواعد الصيام، بل و لم يكن الصحابة بذلك الجهل ليُقزموا مفهوم الصيام في الجوع و العطش فقط. بل صبَرُوا أغوار هذه العبادة و تفقهوا فيها ـ سليقة، فهم أهل اللغة ـ و علِموا أن هذه العبادة أشمل و أعم من أن تقتصر على البطن أو الفرج فقط، فهموا فالتزموا و طبقوا، لذلك فإن الباحث يجد أن أغلب الانجازات التاريخية للمسلمين كانت في شهر رمضان، فقط لأنهم لم يربطوا الأمر بشهوتين فقط بل جعلوا الاخلاص أساس عبادتهم.
إن أغلب الأسئلة التي تطرح على رجال الدين كلما وافى شهر رمضان، تكاد تكون نمطية مبتذلة متكررة؛ نعم يمكن أن نَعذُر الناس و نقول : إنهم يريدون تعلم أحكام دينهم و لا ضير، لكن أن تكون الأسئلة مقتصرة فقط على الأكل سهوا في نهار رمضان، أو استعمال العطر أو السواك أو الاستيقاظ بالجنابة أو المبالغة في المضمضة … إلى غيرها من الاسئلة التي تجد الإمام من كثرة تكرارها حفظ الاجابة عن ظهر قلب مع ذكر الدليل.
في حينة كان الأجدر أن نطرح أسئلة أكثر عمقا و صدقا لنعبر من خلالها أننا استوعبنا حقيقة هذه العبادة، أن نسأل عن النميمة في نهار رمضان هل تعد من المفطرات، و هل قول الزور و التلفظ بالكلام النابي في نهار رمضان يعد من المفطرات، و هل شهادة الزور تبطل أجر الصيام، هذا إن علمنا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” من لم يترك قول الزور و العمل به و الجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه و شرابه “، حديث يجعلك تقف بتأمل أكثر لتفهم حقيقة هذه العبادة، و أن الله منزه عن العبث أن يُلزمك بالجوع و العطش دون أن تتعلم الغاية و الحكمة من هذه العبادة.
و يمكن لك أن تأخذ جولة قصيرة في أزقتنا و شوارعنا لتجد مفهوم الصيام في واد، و ما نعتقده نحن عن الصيام في واد آخر، ستتلقى أذناك سبابا و شتما قد يصل للذات الإلهية؛ و ما يزيد الطين بلة، أننا نلتمس العذر لمثل هذه التصرفات، و الأنكى أننا نربط العذر بعبادة الصيام نفسها، في حين و كما رأينا من حديث رسول الله أن الله ليس بحاجة إلى جوع من يشتمه و يسب المارة و يسرق الناس، و يحتكر السلعة ظلما، و ينصب على الناس في حرم هذا الشهر الفضيل .
و كخلاصة لكل ما سبق، فهذه العبادة إنما فرضت لتزكي النفس و ترتقي بالروح إلى مصاف الملائكة، بعيدا عن كل الأدران و مطامع الجسد.




















