* محمد تكناوي
لا مراء في كون المجتمع المدني بكافة أطيافه و مكوناته هو المستفيد بالأساس من نشر ألوية العدالة في المجتمع. ولعل الحديث عن استقلال القضاء من طرف مختلف الهيئات السياسية والنقابية والمدنية، لدليل على وعي هذه الهيئات بمدى أهمية استقلال القضاء ودوره في زرع الطمأنينة بين أفراد المجتمع.
لكن الواقع يشهد أحيانا بعض الاستثناءات، حيث يحاول بعض المتقاضين التأثير على القضاء أو الحد من استقلاليته سواء بالمال أو الوساطة، لكن القاضي المحصن بالأخلاق الفاضلة والاستقامة يجعل كل المحاولات التي يقوم بها المعنيون فاشلة.
ولعل وعي المجتمع المدني بمبدأ استقلال القضاء تعكسه توالد و تكاثر الجمعيات التي تقوم بتوعية المواطنين بخطورة الرشوة التي تضرب المجتمع في العمق، وذلك بواسطة الاعلام بمختلف أنواعه المقروءة منه أو المرئي أو المسموع.
وكما ورد في الحديث الشريف، القضاة ثلاثة، قاض في الجنة وقاضيان في النار، قاض عمل بالحق في قضائه فهو في الجنة، وقاضي علم الحق فجار عمدا فذلك في النار، وقاض قضى بغير علمه واستحيا أن يقول أني لا أعلم فهو في النار.
حديث للرسول (صلى الله عليه وسلم)، يبين من خلاله مدى النزاهة والاستقامة التي يجب أن يكون عليها القضاة، وكذلك ثقل وجسامة المسؤولية الملقاة عليهم وهم يفصلون في نزاعات ناتجة عن انسياق الإنسان وراء المال والسلطة أو الشهوة أو الشهرة وتضارب المواقف والمصالح.
والحديث عن قضاة نزيهين وقضاة لا يخشون في قول الحق لومة لائم تقتضي مساهمة وتشجيع هؤلاء القضاة والدفاع عن استقلالهم، حيث يحكمون بعيدين عن كل تأثير أو تدخل أو ضغط يؤدي إلى ميل ميزان العدالة مع منحهم كل الضمانات القانونية والدستورية لذلك، علما أنه يجب أن لا يحرف استقلال القضاة بشكل يجعلهم يتصرفون بهواهم وبمنأى عن أية محاسبة، فالقضاء درع الأمان للحكام والمحكومين.
وأستحضر هنا ما جاء في وصية سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي موسى الأشعري، حيث ورد فيها:
“بسم الله الرحمان الرحيم، من عبد الله بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلام عليك أما بعد.
فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فإنهم إذا أدلى إليك وأنفذ إذا تبين لك فإنه لا ينفع تكلم الحق بحق لإنفاذ له… ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينهي إليه، فإن بينه أعطيته حقه وأن عجزه ذلك استحالت عليه القضية، فإن ذلك لهو أبلغ للعذر وأجلى للعمى، ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شئ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”.
فاستقلال القضاء أمر يقتضي أن ترجح كفته قواعد قانونية تضمن هذا الاستقلال، ودفاع يؤمن به ويؤكده، ومجتمع مدني واع به دون أن ننسى دور الصحافة النزيهة في ذلك.
جاء في خطاب المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني “فلا سلطة عليكم إذن إلا سلطة ضميركم، ولا اعتزاز لكم إلا اعتزازكم بأنكم تطبقون كتاب الله وتطبقون قوانين الدولة، وأملي فيكم أن تطبقوها بنزاهة واستقامة” كما تستحضرني هنا قولة الأستاذ علال الفاسي في كتابه النقد الذاتي عن استقلال القضاء” إن مفهوم استقلال القضاء يبدأ من القاضي نفسه الذي هو جوهر القضاء وقيمته الحقيقية وثروته الزاخرة، شأنه شأن الوزراء ومن عد في ركبهم واستقلاله من استقلال القضاء لا سلطان عليه إلا سلطة القانون الذي يحميه من أغراض القائمين به أو من الذين يولونه”.
وإذا كان من المسلم به أن مبدأ استقلال القضاء مبدأ دستوري تقتضيه طبيعة القضاء، فان هذه الاستقلالية تقتضي توفر مجموعة من الضمانات القانونية والعملية لتطبيقه، ولكن إلى أي حد يمكن الحديث عن وجود ضمانات قانونية فعلا تضمن استقلال القضاء ¨ !!
ورد في الفصل 107 من دستور سنة 2011 “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.
“الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”. هكذا حث المشرع على استقلال القضاء وسيمنحه بمجموعة من الضمانات القانونية إذ يعتبر الوحيد الذي له الولاية للفصل في جميع القضايا ذات الطابع والصيغة القضائية، الفصل 109 “يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية. يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة.
“يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة”. بالإضافة إلى ما تضمنه الدستور في الفصول 107- 108- 109، نجد القانون الجنائي قد نص في الفصل 238 يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية كل عامل أو باشا أو قائد ممتاز أو حاكم إداري تدخل في عمل من أعمال السلطة القضائية بإصدار نظم تتضمن نصوصا تشريعية أو تعطيل أو توقيف تنفيد قانون أو أكثر، وإما في عمل من أعمال السلطة القضائية بإصدار أمر أو نهي إلى المحاكم”. ونص الفصل 239 من القانون الجنائي.
كذلك ” يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وغرامة من خمسين إلى خمسمائة درهم كل عامل أو باشا أو قائد ممتاز أو أي حاكم إداري آخر فصل في مسألة من اختصاص المحاكم، وذلك في غير الحالات التي ينص عليها القانون ….”
فالمشرع وضع مجموعة من الضوابط القانونية التي تهدف إلى حماية الأشخاص، وكذلك الوقائع المتعلقة بالملفات المعروضة على المحاكم حتى لا يعلق عليها أو تفسر بشكل يسئ إلى العدالة.
وإذا كان مبدأ الديمقراطية يقتضي صحافة حرة ونزيهة، فإن حريتها تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، والقضاء هو الحكم بين الحريتين ويقتضي عدم التأثير على حياده من أجل تحقيق العدالة التي ينشدها الجميع.

















