بلاحدود bilahodoud.ma – جمال اشبابي – باريس
من المفارقات أن الجزائر، الدولة التي ترفع شعار “تقرير المصير”، تبدو اليوم أكثر من يخشى أن يقرر جيرانها مصيرهم بأنفسهم. فبينما يمد المغرب يده بمبادرة الحكم الذاتي، المعترف بها من قبل القوى الكبرى في العالم – من واشنطن إلى باريس مرورا ببروكسيل – تصر الجزائر على البقاء في خندق الحرب الباردة، تلوح بخطاب التحرير وهي تمارس كل أدوات الوصاية والتضليل.
لكن اليوم لم يعد العالم في حاجة إلى من يخبره من الطرف الحقيقي في نزاع الصحراء. فمنذ القرار الأمريكي الذي اعترف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في دجنبر 2020، وصولا إلى إعلان بلجيكا الأخير، اتضح أن ما سمي “نزاعا إقليميا” هو في جوهره صراع بين دولتين: المغرب والجزائر. أما “البوليساريو”، فليست سوى دمية من قماش تحركها أياد معروفة في قصر المرادية، كلما احتاجت إلى صرف الأنظار عن أزمات داخلية متراكمة.
الجزائر اليوم تبدو كمن يركض وراء الزمن. تخبط دبلوماسي، تصريحات متناقضة، ومكالمات هاتفية عاجلة بعد كل إعلان أوروبي جديد. حين دعمت إسبانيا المبادرة المغربية سنة 2022، أغلقت الجزائر أنبوب الغاز في لحظة غضب. وحين عبرت فرنسا عن موقف مشابه سنة 2024، استدعت سفيرها. أما الآن، بعد أن أعلنت بلجيكا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، اكتفت الجزائر بمكالمة مجاملة لوزير خارجيتها، بلا رد فعل ولا احتجاج رسمي، وكأنها استسلمت لقدرها السياسي الجديد.
الصلح الذي تقترحه واشنطن اليوم بين الرباط والجزائر ليس مجرد وساطة دبلوماسية، بل اعتراف ضمني بأن النزاع لم يكن يوما بين المغرب و”حركة تحرر”، بل بين مشروعين متناقضين في المنطقة: مشروع مغربي يؤمن بالوحدة والتكامل، ومشروع جزائري يقتات على التقسيم وإطالة عمر الأزمات. الجزائر لا تملك الشجاعة للاعتراف بأنها كانت، طيلة نصف قرن، تمول وتسلح وتوجه طرفا وهميا. والآن وقد انكشفت اللعبة أمام العالم، تحاول التمسك بخيوط رواية فقدت مصداقيتها.
لكن ما يثير السخرية – والمرارة معا – هو حديث “البوليساريو” مؤخرا عن “تقاسم فاتورة السلام”. كأن الجزائر، بلسان صنيعتها، تطلب من المغرب أن يدفع نصف ثمن حريق أشعلته هي. وإذا كان هناك من فاتورة يجب أن تفتح، فليكن الحساب كاملا: آلاف الشهداء المغاربة الذين سقطوا دفاعا عن وحدة ترابهم، عقود من الإنفاق العسكري، استنزاف اقتصاد البلاد، سنوات من تعطيل التنمية في البلاد، ملايين الدراهم التي صرفت، والفرص الضائعة التي كان يمكن أن تجعل المغرب أكثر ازدهارا لو لم يجر إلى صراع عبثي.
فمن يتحدث عن “فاتورة السلام”، عليه أن يتذكر أولا “فاتورة العدوان”. وإذا كان منطق الجزائر هو المشاركة في اقتسام ثمار الاستقرار بعد أن أفسدت أرضه، فالمغرب أولى بالمطالبة باسترجاع كلفة النزاع: من أرواح أبنائه إلى استنزاف اقتصاده. فهل تدرك الجزائر أن طلبها المبطن لتقاسم السلام يعني اعترافا صريحا بمسؤوليتها عن الحرب؟
أما على المستوى العملي، فإن المغرب يسير في الاتجاه المعاكس تماما. من الداخلة إلى العيون، تتحول الصحراء المغربية إلى ورش تنموي مفتوح، ومركز جذب للاستثمار الخارجية. زيارة ناصر بوريطة إلى بروكسيل، وما تلاها من إعلان بلجيكي تاريخي بدعم مبادرة الحكم الذاتي، ليست مجرد دبلوماسية أنيقة، بل انتصار لرؤية ملكية جعلت من التنمية في الجنوب عنوانا لوحدة البلاد. في المقابل، لم تجد الجزائر سوى بيانات مرتعشة تصدرها خارجيتها، محاولة تبرير موقفها أمام شعب أنهكته الوعود الثورية الفارغة.
العالم تغير، والجزائر ما زالت تتحدث لغة السبعينات. لا أحد يصدق بعد اليوم أسطوانة “تصفية الاستعمار”، ولا أحد يقبل أن تستمر دولة في تعطيل التكامل المغاربي باسم “مظلومية رملية”. 31 أكتوبر القادم، موعد جديد لمجلس الأمن، سيكون محطة أخرى تظهر أن المبادرة المغربية لم تعد خيارا من بين خيارات، بل الإطار الوحيد الواقعي لحل هذا النزاع المفتعل.
إن المغرب لا يطلب أكثر من حقه في أن يعيش بسلام فوق أرضه، ولا يطلب من الجزائر سوى أن ترفع يدها عن مشروع التقسيم. لكن إذا أصرت على أن تتحدث بلغة “الفواتير”، فليكن النقاش شاملا: فمن بدأ الحريق هو من يدفع ثمنه، لا من أطفأه.




















