بلاحدود bilahodoud.ma
في مشهد خلف صدمة واسعة في الأوساط المحلية، عادت الجرافات صباح اليوم التالي على التوالي، لهدم ما كان يُعتبر أكبر مشروع سياحي ببوسكورة ضواحي الدار البيضاء، عبارة عن دار للضيافة وفندق مصنف، تم تشييده وفق هندسة فنية ومعمارية حديثة، وبميزانية مالية ضخمة (أكثر من 160 مليون درهم) من طرف مستثمر شاب كان يطمح إلى إنعاش الحركة السياحية بالمنطقة.
وجرى تنفيذ قرار الهدم، حسب مصادر محلية، بتعليمات مباشرة من عامل إقليم النواصر جلال بنحيون، وبتنسيق مع مصالح وزارة الداخلية، بعد أن اعتُبر المشروع مخالفاً لقوانين التعمير الجاري بها العمل. وقد أثار هذا القرار موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر مواطنون عن تعاطفهم مع صاحب المشروع، معتبرين أن قرار الإزالة جاء مفاجئاً وغير متناسب مع طبيعة المخالفة، في مقابل تلتزم عمالة اقليم النواصر بالصمت.
وأكد عدد من المتتبعين أن البناية كانت تمثل قيمة معمارية مميزة، لا تشكل أي تشوه عمراني، بل تضيف لمسة جمالية للمنطقة، وكان بالإمكان استغلالها كمرفق سياحي يخدم الإقليم الذي يعاني خصاصاً في البنيات التحتية الموجهة للسياحة الداخلية والخارجية.
وتحوّل الموضوع إلى قضية رأي عام محلي، بعدما تداولت صفحات على مواقع التواصل صوراً ومقاطع فيديو توثق عملية الهدم، مرفوقة بتعليقات غاضبة تطالب بفتح تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات، خصوصاً في ما يتعلق بمرحلة البناء التي تمت، حسب شهود عيان، أمام أنظار السلطات المحلية دون أي تدخل أو تنبيه مبكر.
كما عبّر آخرون عن استغرابهم من غياب المراقبة التقنية أثناء أشغال البناء، مشيرين إلى أن السلطات كان بإمكانها اتخاذ إجراءات بديلة، مثل فرض غرامات مالية أو تسوية الوضعية القانونية للمشروع، عوض هدم منشأة متكاملة كلفت صاحبها سنوات من العمل ومبالغ باهظة.
وفي المقابل، ترى مصادر من داخل الإدارة الترابية أن قرار الهدم جاء تطبيقاً للقانون بعد ثبوت مخالفات تعميرية واضحة، مؤكدة أن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية المجال العمراني وضمان احترام الضوابط المعمارية، مع التأكيد على أن السلطات لا تستهدف الاستثمار، بل تسعى إلى تأطيره ضمن المساطر القانونية المنظمة.
ويرى بعض الخبراء في مجال التعمير أن هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة إشكالية ضعف التواصل بين المستثمرين والإدارة، داعين إلى مراجعة آليات المراقبة والتأطير المسبق للمشاريع الاستثمارية الكبرى، حتى لا يجد المستثمر نفسه أمام قرارات مفاجئة بعد استنزاف رأس ماله في مشروع كان يمكن أن يشكل قيمة مضافة للمنطقة.
جاء هذا القرار في وقتٍ ما تزال فيه التوجيهات الملكية تؤكد على دعم الاستثمار الوطني وحماية المقاولات الجادة. ففي خطاب جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 14 أكتوبر 2022 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، شدّد على أن “المرحلة المقبلة تتطلّب تعبئة شاملة من أجل جعل الاستثمار المنتج في صلب الدينامية الاقتصادية، وتحفيز المقاولات ودعمها لتجاوز العراقيل البيروقراطية”.
كما أكد الملك في خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2023 على ضرورة “تسهيل المساطر، ومواكبة المستثمرين ميدانياً، وتمكينهم من فضاءات ومشاريع قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز الثقة في الإدارة المغربية”.
ورغم هذه التوجيهات الواضحة، جاء تنفيذ قرار الهدم في النواصر ليشكل صورة مناقضة تماماً للروح الملكية التي تنادي بتشجيع الاستثمار الوطني وحماية المشاريع المنتجة. فبدل أن يكون المشروع مثالا للابتكار في قطاع السياحة الداخلية، تحوّل إلى ركامٍ من الإسمنت، في مشهد يُجسد فجوة عميقة بين إرادة الدولة العليا وسلوك بعض الأجهزة التنفيذية المحلية.




















