يشكل إصلاح المنظومة الصحية أحد أكبر الأوراش الاستراتيجية التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى بناء الدولة الاجتماعية وتفعيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية. ولم يكن هذا الإصلاح مجرد مراجعة لبعض آليات تدبير القطاع الصحي، بل جاء ليؤسس لتحول عميق في فلسفة تنظيم المرفق الصحي، من خلال الانتقال من نموذج إداري يتسم بالمركزية وتعدد المتدخلين إلى نموذج جديد يقوم على الحكامة، والجهوية، والاستقلالية في التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وقد اعتمد المغرب حزمة تشريعية غير مسبوقة، يتصدرها القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، الذي وضع الأسس الكبرى للإصلاح، تلاه القانون رقم 07.22 المحدث للهيئة العليا للصحة، والقانون رقم 08.22 المتعلق بالمجموعات الصحية الترابية، والقانون رقم 09.22 القاضي بإحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والقانون رقم 10.22 المتعلق بالوكالة المغربية للدم ومشتقاته، ثم القانون رقم 11.22 المتعلق بالوظيفة الصحية. وتعكس هذه المنظومة القانونية إرادة واضحة لإعادة هيكلة القطاع الصحي وفق رؤية حديثة ترتكز على النجاعة، وجودة الخدمات، وتحقيق العدالة المجالية.
وتبرز المجموعات الصحية الترابية باعتبارها حجر الزاوية في هذا الإصلاح، إذ أوكل إليها القانون رقم 08.22 مهمة تدبير مختلف المؤسسات الصحية العمومية داخل كل جهة، في إطار مؤسسة عمومية واحدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي. ويهدف هذا الاختيار إلى تجاوز التشتت الإداري الذي ميز تدبير المستشفيات لعقود، وتوحيد القيادة الصحية على المستوى الجهوي، وتحسين التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية، وترشيد استغلال الموارد البشرية والمالية، بما ينعكس إيجابا على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. ولا يأتي هذا التوجه من فراغ، بل ينسجم مع فلسفة الجهوية المتقدمة التي كرسها دستور 2011، والتي تقوم على تقريب القرار العمومي من المواطنين، ومنح الجهات صلاحيات أوسع في تدبير الشأن العام. كما ينسجم مع التوجهات الدولية الحديثة في إصلاح الأنظمة الصحية، والتي أثبتت أن الحكامة الترابية أصبحت شرطا أساسيا لتحقيق النجاعة والإنصاف في توزيع الخدمات الصحية.
وتبدو التجربة الفرنسية من أبرز النماذج المقارنة التي يمكن الاستئناس بها. فقد أحدثت فرنسا سنة 2016 المجموعات الاستشفائية الترابية (Groupements Hospitaliers de Territoire – GHT) بهدف تعزيز التكامل بين المستشفيات العمومية داخل المجال الترابي الواحد، وتوحيد بعض الوظائف، وتقاسم الموارد والتجهيزات والخبرات الطبية، بما يضمن استمرارية العلاج وتحسين جودة الخدمات. وقد بينت هذه التجربة أن نجاح الحكامة الصحية الترابية لا يرتبط بإحداث مؤسسات جديدة فقط، بل يقوم أساسا على وضوح الاختصاصات، ورقمنة المنظومة الصحية، وتثمين الموارد البشرية، واعتماد آليات صارمة للتقييم والمساءلة. ويبدو أن المشرع المغربي استلهم هذه الفلسفة، مع الحرص على تكييفها مع الخصوصيات الدستورية والمؤسساتية للمملكة.
غير أن المتتبع لمسار الإصلاح يلاحظ وجود فارق زمني بين صدور النصوص التشريعية والشروع في تفعيلها على أرض الواقع. فقد صدر القانون رقم 08.22 المتعلق بالمجموعات الصحية الترابية سنة 2023، معلنا بداية مرحلة جديدة في تنظيم المنظومة الصحية، إلا أن الانتقال إلى التنفيذ الفعلي اقتضى استكمال عدد من الترتيبات القانونية والمؤسساتية. وخلال سنتي 2023 و2024 انصبت الجهود على إعداد الهندسة التنظيمية للمشروع، وصياغة النصوص التطبيقية، واستكمال المشاورات التقنية والمؤسساتية الكفيلة بتنزيل هذا الورش الإصلاحي، إلى أن صادق مجلس الحكومة في يوليوز 2024 على مشروع المرسوم المتعلق بتطبيق بعض أحكام القانون. وفي سنة 2025 دخل المشروع مرحلة أكثر تقدمًا بصدور المرسوم رقم 2.23.1054 بتاريخ 24 مارس 2025، الذي حدد بعض قواعد تنظيم المجموعات الصحية الترابية وكيفيات تدبيرها، قبل أن يصدر المرسوم رقم 2.25.547 بتاريخ 15 يوليوز 2025، محددا تاريخ الشروع الفعلي لأول مجموعة صحية ترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي اختيرت لتكون أول مجال ترابي لتفعيل هذا النموذج قبل تعميمه تدريجيًا على باقي جهات المملكة. كما انعقد أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية بهذه الجهة، في خطوة جسدت الانتقال من مرحلة التأطير التشريعي إلى مرحلة البناء المؤسساتي والتفعيل الميداني.
وتكشف هذه الكرونولوجيا أن المشرع اختار نهج التدرج في التنزيل بدل التعميم الفوري، وهو خيار ينسجم مع طبيعة الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي تمس تنظيم المرفق الصحي وإعادة توزيع الاختصاصات بين مختلف المتدخلين. غير أن هذا التدرج، على أهميته، يظل رهينا بسرعة استكمال المراحل الانتقالية، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، وإرساء آليات فعالة للتنسيق والتتبع والتقييم، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى غاية في حد ذاتها، بل إلى جسر يفضي إلى تحقيق الأهداف التي أُحدثت من أجلها المجموعات الصحية الترابية، وفي مقدمتها تحسين الحكامة، والرفع من جودة الخدمات الصحية، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج. وإلى حدود سنة 2026، لا يزال المشروع في طور التنزيل التدريجي، بما يعكس حجم وتعقيد هذا الورش الإصلاحي، وفي الوقت نفسه يؤكد أن نجاحه سيقاس بقدرته على إحداث أثر ملموس في أداء المنظومة الصحية، أكثر مما سيقاس بعدد النصوص القانونية أو المؤسسات التي أُحدثت في إطاره.
كما تبرز إحدى أهم الإشكاليات التي تستحق النقاش، فنجاح أي إصلاح لا يقاس بسرعة إصدار القوانين، وإنما بقدرته على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين. وإذا كان اعتماد التدرج في تنزيل المجموعات الصحية الترابية خيارا مفهوما بالنظر إلى ضخامة المشروع، فإن طول المرحلة الانتقالية قد يفرز تحديات تتعلق باستقرار الموارد البشرية، ووضوح الاختصاصات، وسرعة اتخاذ القرار، فضلا عن ضرورة تعزيز التواصل مع مهنيي الصحة والرأي العام حول مراحل التنفيذ ومؤشرات التقدم. فالإصلاحات الكبرى تحتاج إلى الثقة بقدر حاجتها إلى النصوص القانونية. كما أن الرهان الحقيقي للمجموعات الصحية الترابية لا يتمثل فقط في إعادة تنظيم الإدارة الصحية، وإنما في قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية التي عانى منها القطاع لسنوات، وعلى رأسها التفاوتات المجالية في توزيع الأطر الصحية والتجهيزات، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وطول مسارات العلاج، والضغط المتزايد على المستشفيات الجامعية. كما أن نجاحها يقتضي تطوير أنظمة معلومات صحية مندمجة، واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأداء، وربط التمويل بالنتائج، بما يجعل الحكامة الصحية ممارسة يومية لا مجرد شعار مؤسساتي.
و يمكن القول إن المجموعات الصحية الترابية تمثل أحد أكثر مشاريع الإصلاح الصحي طموحا في تاريخ المغرب الحديث، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة قوامها التدبير الجهوي المندمج، وتمنح الجهات دورا محوريا في تنفيذ السياسة الصحية الوطنية. غير أن قيمة هذا الإصلاح لن تقاس بعدد القوانين الصادرة أو المؤسسات المحدثة، وإنما بقدرته على تحسين تجربة المواطن داخل المرفق الصحي، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان الولوج العادل إلى العلاج. فالتحدي الحقيقي لم يعد اليوم هو إصلاح النصوص، بل إصلاح الممارسة، وتحويل الطموح الإصلاحي إلى واقع يلمسه المواطن في جودة الخدمات الصحية، وفي كفاءة المؤسسات، وفي تعزيز الثقة في المرفق العمومي.




















