بلاحدود bilahodoud.ma – محمد خوخشاني (قيادي سابق في حزب التقدم والاشتراكية)
على أبواب الاستحقاقات التشريعية لشهر شتنبر 2026، يستعد المغرب لموعدٍ انتخابي جديد. لكن خلف التحضيرات اللوجستية وخطابات الأحزاب والتنافس على مقاعد مجلس النواب، يبرز سؤال جوهري وأعمق بكثير: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في السياسة، وفي الأحزاب، وفي أولئك الذين يدّعون ممارسة السلطة باسمه؟
فالديمقراطية لا تُختزل في تنظيم انتخابات دورية. إنها تفترض وجود رابط حيوي بين المواطنين وممثليهم، وقدرة على تحويل البرامج إلى سياسات عمومية ملموسة، والأهم من ذلك، تمكين الناخب من الإحساس بأن صوته له تأثير حقيقي على واقعه اليومي. غير أن هذا الرابط بالذات هو ما يستدعي اليوم وقفةً نقدية عميقة.
مشاركة انتخابية متعثرة، واعتلال في الثقة
سجّلت انتخابات 2021 مشاركة بلغت 50,35%، وهو رقم وإن كان يعكس تنافسية، إلا أنه لا يخفي حقيقةً مزعجة: ما يقارب نصف الهيئة الناخبة اختار الامتناع. وبعد خمس سنوات، لم يعد السؤال مطروحاً فقط حول هوية الفائز، بل حول أسباب هذا العزوف المتنامي.
فالامتناع عن التصويت ليس بالضرورة مرادفاً للامبالاة بالشأن العام، بل قد يعبّر عن خيبة أمل، أو شعور بأن التناوبات السياسية لا تُحدث تغييراً جذرياً في بنيات الفقر والهشاشة. إن أي تراجع محتمل في نسبة المشاركة خلال 2026 يجب أن يُقرأ كإنذار، كمؤشر على هشاشة الثقة في المؤسسات، وليس مجرد رقم إحصائي عابر.
مفارقة الإصلاحات وغياب الإقناع
لا يمكن إنكار أن الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2021 استطاعت تسجيل نقاط مهمة على مستوى الإصلاحات. فتعميم الحماية الاجتماعية، وإرساء الدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح نظام التغطية الصحية، كلها مشاريع طموحة تندرج في مسار بناء دولة اجتماعية حقيقية. وقد أفادت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي بأن سنة 2025 كانت أول سنة كاملة من النشاط في تدبير وتقييم برنامج الدعم الاجتماعي المباشر.
لكن هذه الإصلاحات، مهما كانت ضرورية، تظل غير كافية لكسب الرضا الشعبي، طالما أن المواطن لا يلمس أثرها في معيشه اليومي. فكيف يمكن لرب أسرة أن يقتنع بجدوى السياسة العمومية وهو لا يزال عاطلاً عن العمل؟ وكيف لشاب حاصل على شهادة جامعية أن يثق في خطاب الدولة وهو يواجه هشاشة متنامية؟
الإصلاحات وحدها لا تصنع الثقة؛ بل النتائج الملموسة هي التي تؤسس للمصداقية
فرص الشغل: المحكّ الأصدق للسياسة
إذا كان هناك مؤشر يختزل آمال المجتمع المغربي وإحباطاته، فهو مؤشر التشغيل. تُظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد الوطني أحدث 193.000 منصب شغل صافٍ خلال سنة 2025. غير أن هذا التقدم يظل محصوراً في المدن (203.000 منصب)، بينما تراجع الشغل في الوسط القروي بـ 10.000 منصب. وانخفض معدل البطالة من 13,3% إلى 13%، لكنه يخفي واقعاً مقلقاً: بطالة الشباب (15-24 سنة) ارتفعت من 36,7% إلى 37,2%، وبطالة النساء بلغت 20,5%.
هذه الأرقام بالضبط هي التي ينبغي أن تحتل صدارة النقاش الانتخابي. فحين يعجز خريج شاب عن إيجاد وظيفة، حين لا تتلاءم التكوينات مع متطلبات السوق، حين يظل الولوج إلى النشاط الاقتصادي عسيراً، تصبح الخطابات المؤسساتية بعيدة كل البعد عن انشغالاته اليومية.
السياسة تستعيد مصداقيتها حين تُجيب على الأسئلة الحارقة للطبقات الشعبية.
جيل “النيت” بين الوعد والوعيد
تشير تقديرات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن حوالي ثلث الشباب المغربي (15-29 سنة) يوجد في وضعية NEET، أي لا هو في عمل، ولا في دراسة، ولا في تكوين. وتتفاقم هذه المعضلة بشكل خاص لدى الفتيات. وهذه الظاهرة ليست مجرد إحصاء جاف، بل تعني أن شريحة واسعة من جيل بأكمله مهددة بالإقصاء الدائم عن النشاط الاقتصادي والمشاركة الاجتماعية.
لطالما ردد المسؤولون أن “الشباب مستقبل البلاد”، لكن الشباب بإمكانه أن يسأل بشرعية: لماذا ننتظر حتى نكون مستقبلاً، ونحن نريد أن نشارك في الحاضر؟
إن رهان التجديد لا يقتصر على إدراج أسماء شابة في اللوائح الانتخابية، بل يتطلب إشراكاً فعلياً في صنع القرار، وتحميلاً للمسؤولية، وتجسيراً للفجوة بين المنظومة التربوية وسوق الشغل.
القوة الشرائية.. السياسة بمقياس العيش اليومي.
المؤشرات الاقتصادية الكلية واردة، لكنها لا تعكس بالضرورة الشعور الشعبي. يتوقع صندوق النقد الدولي سنة 2026 نمواً بنسبة 4,9% مع تضخم مضبوط. وهذه الأرقام مهمة لاستقرار البلاد، لكنها لا تكفي لتبرير تدهور القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين، ولا لمعالجة ارتفاع الأسعار، ولا لتوفير السكن اللائق.
فالدولة قد تحقق نمواً محترماً، لكن الفئات الهشة قد تبقى في قاع الهرم. لذلك، ينبغي أن يُعاد طرح السؤال الانتخابي بشكل آخر: كيف نحول النمو الاقتصادي إلى تحسين ملموس ودائم في ظروف عيش المواطنين؟ إن خلق الثروة لا قيمة اجتماعية له إلا إذا ترجم إلى تشغيل لائق، ودخل كافٍ، وخدمات عمومية ذات جودة.
دولة اجتماعية واعدة.. لكنها مرهونة بالتجسيد الفعلي.
تُعدّ بناء الدولة الاجتماعية واحدة من أكبر التحولات التي شهدها المغرب في السنوات الأخيرة، لكن نجاحها لا يمكن قياسه فقط بميزانياتها أو بعدد المستفيدين. بل يتطلب تقييماً دقيقاً لجودة الخدمات العمومية، ولولوجيتها، ولعدالتها المجالية، وقدرتها على حماية الفئات الهشة فعلياً.
الدعم الاجتماعي المباشر قد يُخفف وطأة الفقر، لكنه لا يمكن أن يحلّ محل سياسة طموحة لتشغيل الشباب، وتحسين المدرسة العمومية، وتحديث المستشفيات، وتنمية الأقاليم والجهات. التضامن يجب أن يحمي المواطن، لا أن يكون بديلاً عن التنمية الشاملة.
الجهات المنسية.. إشكالية ديمقراطية بالأساس.
عرف المغرب تحولاً كبيراً في بنيته التحتية خلال العقود الأخيرة. لكن أحد التحديات الكبرى للولاية القادمة هو ضمان أن لا يقتصر التنمية على مراكز المدن الكبرى والقطاعات الاقتصادية الحديثة. مواطنو المدن الصغرى، والعالم القروي، والمناطق الأقل حظاً يجب أن تتمتع بفرص مماثلة في الشغل والصحة والتعليم والنقل والخدمات الأساسية.
المسألة الترابية هي مسألة ديمقراطية بامتياز. حين يشعر جزء من السكان بأن ثمار التنمية تتركز في مكان دون آخر، فإن الثقة في المؤسسات تتبخر تدريجياً.
المعارضة.. محكومة باختبار المصداقية
سيكون من المغالطة اختزال انتخابات 2026 في استفتاء على حكومة أخنوش. فالمعارضة مدعوة أيضاً إلى تقديم أوراق اعتمادها. لا يمكن لمعارضة جادة أن تكتفي بتنديد إخفاقات الحكومة، بل يجب أن تقدم بديلاً متماسكاً، واقعياً، وممولاً.
عليها أن تُجيب بوضوح عن أسئلة مصيرية: كيف نخلق مناصب شغل إضافية؟ كيف نُحسّن المدرسة العمومية؟ كيف نُفعّل المستشفى العمومي؟ كيف نُقلّص الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ كيف نمول الإصلاحات دون إثقال كاهل الطبقات الفقيرة؟ وكيف نحارب الفساد واستغلال النفوذ؟
هذه المواجهة بين المشاريع هي التي يجب أن تشكل جوهر الحملة الانتخابية، وليس السجالات الهزيلة.
المواطن ليس ناخباً موسمياً.
العيب الأكبر في ممارستنا السياسية هو النظرة الموسمية إلى الديمقراطية. فغالباً لا يُستدعى المواطن إلا يوم الاقتراع، بينما تغيب آليات التتبع والمحاسبة والتقييم المستمر.
ينبغي أن يكون المواطن قادراً على متابعة عمل ممثليه، وفهم القوانين التي يصوتون عليها، والحكم على مردوديتهم بانتظام. كما ينبغي للنائب أن ينظر إلى ولايته لا كمنصب شخصي، بل كأمانة مؤقتة من طرف المجتمع. هذه الرؤية من شأنها أن تحوّل علاقة المجتمع بالسياسة من علاقة شك وريبة إلى علاقة شفافية ومساءلة.
المال السياسي.. سمّ الديمقراطية.
قضية تمويل الحملات والممارسات المحسوبية تظل ملفاً شائكاً. فشراء الذمم، وتحويل الخدمات إلى أصوات، واستغلال حاجة المواطن لإخضاعه سياسياً، كلها ممارسات تنال من حريته وتشوّه روح الانتخاب.
الديمقراطية لا تعمل بشكل صحيح إلا حين يعبّر صوت الناخب عن قناعة واختيار حر، لا عن دين أو التزام مفروض بقوة الفاقة. لذلك، فإن تخليق الحياة السياسية ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرط لوجود مؤسسات نزيهة ومصداقية في العمل العام.
التجديد الحقيقي.. في الممارسات لا فقط في الوجوه
البعض يظن أن التجديد يقتصر على ضخ دماء جديدة في المؤسسات، وهذا غير كاف. المغرب بحاجة إلى نواب أكفاء، قادرين على فهم الملفات المعقدة، والرقابة الفعلية على الحكومة، والتشريع بجدية، والدفاع عن المصلحة العامة.
التجربة يجب أن تلتقي بالكفاءة، والشباب يجب أن يلتقي بالمسؤولية، والسياسة يجب أن تستعيد روح الخدمة العمومية. بغير ذلك، ستظل المؤسسات قشوراً جامدة دون محتوى فعال.
عقد ثقة بدل السباق الانتخابي
أليس من الأفضل أن نطلب من كل حزب تقديم تعهداته الأساسية، بشكل واضح ومرقم، مع جدول زمني ومؤشرات قياس، ليتمكن المواطن في نهاية الولاية من مقارنة التزاماته بإنجازاته؟
هذه الثقافة، ثقافة المحاسبة والتقييم، هي التي ستحول علاقة الناخب بالنائب من علاقة وعد مبهم إلى علاقة تعاقد واضح. أسئلة المواطن يجب أن تكون دقيقة: لمن نصوت؟ وماذا نصوت؟
الخلاصة: استعادة الثقة هي الانتصار الحقيقي
في العمق، يمكن اختصار رهان انتخابات 2026 في سؤال وحيد: كيف نجعل المواطن يستعيد يقينه بأن صوته يمكن أن يُحدِث فرقاً؟
الإجابة لن تأتي من الشعارات الرنانة أو البرامج الإنشائية، بل من قدرة الأحزاب على تقديم مشاريع ذات مصداقية، ومن قدرة المرشحين على إثبات كفاءتهم ونزاهتهم، ومن شجاعة الحكومة في تقييم مسارها، ومن جرأة المعارضة في طرح البدائل الواقعية.
المواطن المغربي لا يطلب المستحيل. إنه يطلب شغلاً، وكرامة، وخدمات عمومية فعالة، وعدالة اجتماعية، ومجالات أكثر توازناً، ومسؤولين يحترمون كلمتهم ويضعون المصلحة العامة فوق مصالحهم الخاصة.
لذلك، فإن الفوز الحقيقي في انتخابات 2026 ليس فوز حزب على آخر، بل هو فوز الديمقراطية ذاتها، بقدرتها على التوفيق بين المواطن والسياسة، بين الصوت والأمل، بين التفويض الشعبي والمسؤولية الجماعية.
فما فوق رهان المقاعد البرلمانية، هناك رهانٌ أعظم: استعادة ثقة المواطن. وتلك هي المعركة الأصعب، والأجدى، والأبقى.



















