بلاحدود bilahodoud.ma
في مشهد طغت عليه لغة الاحتجاج أكثر من طقوس الاحتفال، تحولت منصة فاتح ماي بشوارع الدار البيضاء، خاصة على مستوى شارع الجيش الملكي، إلى فضاء لإطلاق مواقف قوية من قبل ميلودي موخاريق، الأمين العام لـالاتحاد المغربي للشغل، الذي اختار توجيه خطاب حاد يضع الحكومة أمام ما وصفه بتحديات اجتماعية متفاقمة.
وأمام حشود من النقابيين والعمال، لم يكتفِ موخاريق بتشخيص الوضع، بل رسم صورة قاتمة لوضع اجتماعي يتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، معتبرًا أن ما تعيشه الفئات الشغيلة لم يعد مجرد ضغط ظرفي، بل تحول إلى أزمة عميقة تمس جوهر العيش اليومي، في ظل ما وصفه بغياب إجراءات حكومية قادرة على كبح هذا المنحى.
وشدد موخاريق على أن المرحلة الراهنة تفرض قرارات جريئة، على رأسها مراجعة الأجور بشكل عاجل، واعتماد آليات تلقائية لمواكبة تقلبات الأسعار، بما يضمن حماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للأجراء، منتقدا ما اعتبره اختلالات في بنية السوق، خاصة في القطاعات الحيوية، داعيا إلى ضبطها بما يحد من تأثير المضاربات والاحتكار.
وفي امتداد لهذا الطرح، فتح خطاب النسؤول النقابي، ملفات اقتصادية ذات طابع استراتيجي، من بينها المنظومة الضريبية، التي دعا إلى إعادة النظر فيها بما يحقق نوعا من التوازن، من خلال تخفيف العبء عن الأجراء مقابل توسيع مساهمة الفئات الأكثر استفادا، كما عاد إلى ملف الطاقة، معتبرا أن إعادة تشغيل مصفاة “لاسمير” تظل خيارا مطروحا لتعزيز الاستقلال الطاقي وتقليص كلفة المحروقات، في سياق يتسم باضطراب الأسواق الدولية.
وعلى مستوى تدبير العلاقة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، لم يُخفِ موخاريق امتعاضه من مسار الحوار الاجتماعي، الذي اعتبره فاقدا للفعالية، في ظل تعثر تنفيذ عدد من الالتزامات السابقة، داعيا في هذا الإطار إلى إرساء حوار مؤسساتي دائم، قادر على معالجة الاختلالات البنيوية، بدل الاكتفاء بمواعيد ظرفية لا تفضي إلى نتائج ملموسة.
و بخصوص ملف التقاعد، فقد عبر عن موقف رافض لأي توجه نحو تحميل الأجراء كلفة الإصلاح، معتبرا أن أي مقاربة تقنية صرفة قد تؤدي إلى تقليص الحقوق أو رفع سن الإحالة على التقاعد لن تكون مقبولة اجتماعيا، داعيا إلى تصور شامل يوازن بين استدامة الصناديق وضمان كرامة المتقاعدين.
وفي سياق متصل، طرح الاتحاد المغربي للشغل، جملة من القضايا المرتبطة بتنظيم سوق الشغل، من بينها ضرورة تقوية الإطار القانوني للعمل النقابي، وضمان الحق في الإضراب، إلى جانب إدماج القطاع غير المهيكل ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة، بما يتيح توسيع قاعدة الحماية الاجتماعية.
ولم يغفل الخطاب التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، خاصة في ما يتعلق بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، حيث حذر من انعكاساتها المحتملة على مناصب الشغل، داعيا إلى مواكبتها بإجراءات تشريعية وتكوينية تضمن حماية الأجراء وتأهيلهم لمتطلبات المرحلة.
وعلى صعيد آخر، حملت الكلمة رسائل ذات بعد وطني ودولي، حيث جدد الاتحاد دعمه للثوابت الوطنية، معبرا في الآن ذاته عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، في انسجام مع الحضور اللافت لهذه القضية ضمن شعارات المسيرات.
واختتم مخاريق خطابه، بالتحذير من كلفة تجاهل مطالب الاتحاد، حيث اعتبر موخاريق أن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يمر عبر الاستجابة الفعلية لانشغالات الشغيلة، مؤكدا أن النقابة ستواصل موقعها في قلب التوازنات الاجتماعية، كقوة اقتراحية وضغط في الآن ذاته.




















