ابراهيم الإنتصارـ بلاحدود
يمكننا الإشارة إلى بعض من أوجه هذا التغيير المحتمل :
و نبدأ من المغرور الإنسان نفسه، الذي بلغ به والتكبر أن اعتبر نفسه سيد الكون، والمسيطر على الطبيعة، وجاء فيروس لا يرى بالعين المجردة، ليعيده إلى مكانه، و يراجع حساباته الأيكولوجية أول الأمر، ويجبره على احترام الطبيعة الايمان بالله.
فالأرض تنفست من جديد بعد الهدوء الذي فرضه هذا الصغير القوي، وقد كانت الأجواء و قلت نسبة التلوث.
وضع فيروس كورونا البشرية أمام امتحان تضامن شعوب وتفكك غيرها، فقد نجح الآسيويون على سبيل المثال وأخفق الأوربيون ..كيف ذلك؟.
كونفوشيوس في مواجهة أرسطو من يكسب؟
سقطت أوربا في الفخ الأرسطي التقليدي، ذاك الذي لا يعرف سوى ظاهرة التضاد، ويرسي للبراغماتية غير المستنيرة، ما تجلى في إعادة إغلاق الحدود بين الدول التي نظمت اتفاقية الشنغن عدم إغلاقها، وامتنع من لديه عن إنقاذ من يعيش العوز، وما شاهده العالم من تقصير في إنقاذ إيطاليا، يؤكد ومن غير أدنى شك أن عالم ما بعد كورونا مختلف جدا.
أما الأول، فيرى أن العالم وحدة واحدة، ولا يستعبد الاختلافات أو الخلافات كشأن بشري، لكنه يراها داخل الكل الأنطولوجي الكوني، ولهذا رأينا الصين ورغم كونها بؤرة كورونا الأولى، قادرة على قيادة دول آسيا في مواجهة الخطر الداهم، لم تتأخر عن دعم ورعاية مواطنيها، وكذا جيرانها من بقية الدول، باعتبار أن الكل في واحد.
ما بعد كورونا سوف يكون على معيار سلم قيمي مغاير، يعيد ترتيب الأهميات بالنسبة للإنسانية، وأول ما يتوجب أن يوضع في المراتب الأولى، العلم والعلماء، أولئك الذين تتطلع إليهم العقول، وتهفت إليهم القلوب في الوقت الحاضر، لعل البشرية تجد عندهم الشفاء العاجل.
سوف تكون الأولوية في العقود القادمة من غير أدنى شك لصالح البحث العلمي، لا سيما المدني منه الذي يخدم الإنسان، ستكون هذه هي القضية وهي الحل، فقد علمتنا تجربة “كورونا”، أن مخزونات الأسلحة الذرية والهيدروجينية، وبقية الأسلحة التي ما أنزل الله بها من سلطان، لم يقدر لها أن تهزم فيروس متناهي في الصغر والخبث معا، ولو أنفقت نسبة ضئيلة من الذي تم إنفاقه على الأبحاث العسكرية، والتي امتدت مؤخرا إلى برامج عسكرة الفضاء، لربما تجنب العالم كارثة إطالة فترة البحث عن حل لهذا الفيروس القاتل.
يمكن للمرء الاستفاضة في سرد وعرض الدروس الإنسانية الناجمة عن كورونا، غير أن المشهد السياسي العالمي بدوره، سوف ينقلب ولا شك رأسا على عقب بعد أن تهدأ العاصفة.
في المقدمة من الصور المتوقع إعادة تقدير موقفها، مسألة الدولة القومية القوية، في علاقتها مع حديث العولمة، فقد أثبتت التجربة أنه من غير اعتماد على أنظمة قومية داخلية قوية، وبنية هيكلية رصينة ومتقدمة، اقتصاديا واجتماعيا، عسكريا وأمنيا، تصبح الدول في مهب الريح، وما جرى في إيطاليا مثال على تخلي الاتحاد الأوربي، فيما دول أخرى استطاعت الصمود نظرا لأن جذورها قوية وقادرة بنفسها على قيادة وريادة شعوبها إلى بر الأمان.
حين تنجلي “غيمة كورونا” المخيفة، ستعيد كثير من التجمعات الدولية قراءة أوراقها، وهل ستتمكن من الاستمرار على نفس المنوال، أم أنه وقت تغيير الأوضاع وتبديل الطباع، كما كان يقول المؤرخ الجبرتي في كتاباته.
ماذا عن الأوضاع الاقتصادية في العالم؟
حكما سوف تفرز تبعات كورونا عالما مغايرا، عالم مختلف عن نظام “بريتون وودز”، الذي ساد البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، وفيه مثلت الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص، الهيمنة والسيطرة من خلال الدولار من جهة، واعتبار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أدوات وآليات تخصها دون غيرها من جهة ثانية.
النظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأزمة، يثير الرعب في النفوس، لا سيما في ضوء الأعداد الهائلة التي تصاب يوميا بالفيروس من جهة، ونقص الاستعدادات الطبية من ناحية أخرى، ما يجلعنا نتساءل: “هل هي حقا القوة الحقيقية المهمينة على العالم حتى الساعة، أم أنها قوة ظاهرية وفي داخلها خواء كبير على كافة الأصعدة؟ والكارثة هنا، لن تقف عند حدود الأمريكيين، بل ستطال العالم برمته، فلا تزال أمريكا طليعة العالم اقتصاديا على الأقل.
أحد الأسئلة الأخرى التي لابد من طرحها: “هل الصين دولة تستحق أن تقود العالم؟
عبر الأزمة الأخيرة، تبين لنا أن هناك قصور شديد في الداخل الصيني، فقد تأخرت في الكشف عن الفيروس حتى انتشر داخلها ومنها إلى بقية العالم، والمتابع لغالبية الأوبئة التي أصابت العالم في الثلاثين سنة الماضية، يجد أن غالبيتها إن لم تكن كلها قد بدأت من الصين، وهنا فإن التكرار يسقط الصدفة، لا سيما وأن نسق حياة الفلاحين في الصين، وما يجري في حظائرهم من اختلاط للحيوانات وقربها للإنسان، يجعل من المحتمل ظهور أوبئة أشد فتكا بالبشرية في قادم الأيام من كورونا نفسها.
هل قربت كورونا من شعوب العالم أم باعدت بينهم؟
في ستينات القرن الماضي، قال عالم الاجتماع الكندي الشهير “مارشال ماكلوهان”، إن العالم بات قرية صغيرة، واليوم يمكننا القطع بأنه أضحى حارة أصغر من القرية، حارة في العالم الافتراضي الذي يعيش الناس حبيسي منازلهم وراء شاشاته، ولولاها لماتوا من الضجر قبل أن يهاجمهم الفيروس الخبيث.
قرب كورونا الناس في ألمهم وحلمهم الوحيد، ولعلهم يتساءلون بعد العاصفة عن معنى ومبنى إنسانيتهم الواحدة المتألمة معا، والمتطلعة أيضا معا في الخلاص والنجاة، إن لم تكن آفة النسيان هي ملامح ومعالم تلك الحارة من جديد.
شمس عالم ما بعد كورونا ستشرق على أفق جديد متعدد الأقطاب، حكما سيولد من رحم كورونا، وبمشاهد ومعالم لا تزال تتخلق في جوف الأزمة وغياهب الجب.




















