عبد الهادي بوشنياطة بلاحدود bilahodoud.ma
استبشرنا كمواطنين برفع قيود الحجر الصحي عقب جائحة كورونا، الجائحة التي كانت لها تداعيات وآثار سلبية شملت كل مناحي الحياة النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية… لكن سرعان ما بدأت تلوح في الأفق الدولي أزمة سياسية و بوادر حرب بطابع عالمي، بحكم أطراف النزاع، روسيا من جهة زعيمة المعسكر الاشتراكي سابقا، وأوكرانيا المحسوبة على الغرب- أمريكا ودول حلف شمال الأطلسي بزعامة أمريكا من جهة أخرى.
بوادر الأزمة التي انتقلت بسرعة لحرب عسكرية مباشرة، انتقلت رحاها لحرب اقتصادية وإنسانية بامتياز، فاختل الميزان الاقتصادي وأصبحت فاتورة المعاملات الاقتصادية مرتفعة، وأضحت علاوة على ذلك يتحكم فيها المضاربين والسماسرة و الوسطاء الدوليين، فانتعش الاحتكار و كثُرَ الادخار، فشحَّت الأسواق وتهافتَ الجميع على تخزين السلع وغيرها، لأن الحرب دارت رحاها في أوروبا الشرقية بين روسيا وأوكرانيا ومن يدور في فلكيهما.
كل هذا الكلام هو توطئ لتشخيص الوضع الداخلي لبلدنا، لأننا لسنا وحيدين ولا بعيدين عما يدور ويجري، ولأننا أحد الفاعلين الاقليميين وتجمعنا بروسيا وأوكرانيا وأوروبا علاقات دبلوماسية ومصالح تجارية واقتصادية مشتركة.
بدورنا تأثرنا وتضررنا اقتصاديا، وبدا ذلك جليا في ارتفاع سعر المحروقات وعدد كبير من المنتجات والبضائع والسلع التي تستوردها بلدنا، منها من يأتي مباشرة من أوكرانيا طرف الحرب، ومنها من يأتي من السوق العالمية المشتركة التي بدورها تأثرت بفعل مُجريات الأحداث وما يجري على الساحة الدولية.
إن تحليلنا للأمور ينبني على معايشتها وملاحظتها وتشخيصها، فواقع الحال وبصراحة أن المواد والبضائع والمنتجات والسلع لم تنقطع من السوق المغربية، ولم نشهد لا طوابير ولا اضطراب في الأسواق، عدا أمر واحد و وحيد ألا وهو الغلاء ثم الغلاء.
فماذا فعلت الحكومة حُيال ذلك؟ وما هي البدائل والحلول التي نقترحها؟
إن خبرة و حِنكة مُدبري الشأن العام لا تظهرُ في الأوقات العادية والأمور السلسة، وإنما يظهر معدنها الحقيقي في مواجهة الأزمات والكوارث والأحداث الطارئة من أزمات داخلية وخارجية، فتدبير الشأن العام ليس بالأمر السهل ولا الشيء الهين، لكن على من قدَّمَ نفسهُ لتحمل المسؤولية وتدبير شؤون البلاد والعباد، يُفترض فيه أن يكون له علو كعب واليد الطُّولى والكلمة العُليا في إخراج المواطن من ُظلمات التخبط واليأس والوصول لبر الأمان، لأن دافع الضرائب المواطن البسيط، لا يفقه ولا يهمه إلا العيش الكريم بتكلفة بسيطة وخدمات مُتوفرة، وولوج عادل وآمن لكل الخدمات الإمكانات.
الحكومة تُدبر الشأن العام، بمعنى بسيط بيدها الموارد البشرية والموارد المالية و الصلاحيات والإمكانات التي كفلها لها الدستور والقوانين والقوانين التنظيمية.
لا يكفي لمواجهة الأزمة أن نبقى مكتوفي الأيدي ننتظر، أو أن يخرج رئيس الحكومة أو وزير قطاعي ليقول للمغاربة أن غلاء الأسعار جاء بناء على غلاء الأسعار بالأسواق العالمية وارتباطه بتكلفة فاتورة الاستيراد.
كما سبقت الإشارة لذلك، فتدبير الشأن العام للأزمات هو استباق وقوع الأزمة أو التخطيط للأزمة في وقت حدوثها، عبر التخطيط الاستراتيجي المُحكم ووضع الخُطط البديلة، خطة أ- ب- ج…، فما نفعُ الخبراء، الإحصاء، مراكز ومراصد البحث وغيرها من المؤسسات، هل يتم استشارتها والأخذ برأيها؟ أم أنها تفعل ذلك و لا يُؤخذ برأيها؟ أم أنَّ عملها يبقى حِبرًا على ورق؟ عديد الأسئلة التي يجب ان تلقى أجوبة.
المقترحات الحلول والبدائل
إن واجبنا الوطني و ضميرنا المهني، يقتضي منا الانخراط الإيجابي والمساهمة الفعالة عبر النقد أحيانا وتقديم الدعم والمؤازرة أحيانا أخرى، وتقديم المقترحات والبدائل والحلول أحيانا كثيرة.
أولا: بناء اقتصاد وطني قوي: نجحت فيه مجموعة من الدول التي يُحسب لها الآن ألف حساب، وتنافس على المراتب الأولى عالميا على المستوى الاقتصادي، أخصُّ بالذكر دول اليابان والصين والنمور الاسيوية على الخصوص، التي وثقت في إمكانياتها الذاتية وبنت نفسها بنفسها، فبدءاً بالتعليم والبحث العلمي والتطور الصناعي وبناء الإنسان، وصولا للإيمان بالطاقات والامكانات الذاتية والثقة بها، فأصبحت اقتصادات عالمية كانت انطلاقاتها مما هو وطني ذاتي بإمكانيات ذاتية و أولوية، و ما يستلزمهُ ذلك.
ثانيا التخطيط الاستراتيجي: يقتضي وضع خطط بديلة و استباقية في مُواجهة الأزمات وما يُستجد من أحداث، حتى وإن وقعت الأزمة فلن تكون لها تداعيات طويلة المدى أو بتكلفة كبيرة، فوضع الخُطط البديلة يُجنب البلد الصدمات والاحتجاجات، ويساهم لا محالة في السلم الاجتماعي، ويعطي الشعور بالأمان بأن هناك حُماة للوطن ساهرين على تدبير شؤونه العامة، الخطط البديلة تجنب الخزينة العامة أداء الفاتورة بالعملة الصعبة، وفي أحيان كثيرة التوجه إلى الدين العمومي الذي يكون بشروط ومقايضات.
ثالثا: التضامن الداخلي: على مسؤولي وأغنياء وميسوري وأعيان الوطن، التنازل عن جزء من أُجرتهم العامة وامتيازاتهم لفائدة الوطن، ليكون هناك تضامن داخلي في مواجهة الأزمة، و لنا في مُبادرة جلاله الملك محمد السادس نصره الله خير مثال في مواجهة جائحة كورونا، عبر إحداث صندوق الجائحة الذي كانت له تداعيات إيجابية في تخطي الأزمة. فعلى كل من استفاد من المسؤولين في وقت الرخاء، أن يُعيد للوطن ولو جزء بسيط من المُساهمة في وقت الأزمة.
رابعا: البحث عن أسواق بديلة: إن السوق العالمية هي سوق كبيرة ومتنوعة، ولا يجب الاعتماد على سوق واحدة من جهه الاستيراد التي تكون بالعملة الصعبة وبفاتورة مرتفعة، وفي المقابل تكثيف وتنمية التصدير الذي يجب أن يلعب دور الموازنة في مقابل الاستيراد.
خامسا: الإنتاج المُكثف والاستهلاك المُعقلن: أقترحُ هذا الحل الذي أعتبرُهُ سهل التنزيل والتطبيق، فعقلنةُ الاستهلاك هي ثقافه يجب أن تكون دَيْدنَ الأُسر المغربية، على اعتبار أن استهلاك ما هو غير ضروري ولا تتوقف عليه دورة الحياة، يُمكن الاستغناء عليه وبالتالي عدم ارتفاع تلك المادة (بيض – حليب- كماليات…). فالاستهلاك ثقافة في ظل الأزمة يجب أن يخرُج عن العادة، وبالتالي استهلاك فقط ما هو أساسي لتجنب الاحتكار والمضاربات التي تضرب جيوب المغاربة.
في مقابل الاستهلاك المُعقلن، يجب بالضرورة والإلزام تكثيف الإنتاج وإيجاد بدائل فلاحية لا تحتاج لكثرة السقي على المستوى الفلاحي، وتشجيع ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، فبلادنا ولله الحمد تزخر بالمواد الطبيعية البرية والبحرية ووفرة اليد العاملة المؤهلة.




















