بقلم: غزلان بوعلالة
كشف التقرير الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” لسنة 2024، أن المغرب كسب 15 نقطة ليتراجع من رتبة 144 سنة 2023 إلى 129 هذا العام في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، نتيجة تراجع حالات الاعتقال بحق الصحافيين مقارنة مع السنوات السابقة.
لكن برغم من هذا التحسن الطفيف إلا أن المغرب لا يزال في “المنطقة البرتقالية” نظرا لحجم القمع الذي لايزال يطارد الصحفيين أثناء أداء مهامهم ويقيد حريتهم في ممارستهم الصحفية، ويتخذ في غالب الأحيان شكل “ملاحقات قضائية”، تستخدم “ملفات القضايا الأخلاقية” ضد الصحفيين المستقلين، كالتحرش الجنسي والاغتصاب والاتجار بالبشر وغيرها.
الصحافة المستقلة في المغرب: من المهد إلى اللّحد
برزت الصحافة المستقلة لأول مرة في المغرب سنة 1996، تلاها عهد الملك الجديد الملك محمد السادس الذي حرص على توفير أرضية تشريعية وقانونية تضمن للصحافة المستقلة حق الممارسة والتأسيس. تعزز ذلك بدخول عدة قوانين وقرارات ومراسيم حيز التنفيذ سنة 2005، خاصة في مجال تحرير القطاع السمعي البصري ودعم الصحافة المكتوبة. سنة 2006 بدأت تتجلى بوادر العمل الصحفي الذي يتناول المواضيع الحساسة بنفس استقصائي مع منابر إعلامية كمجلة “تيل كيل” التي قامت بنشر تحقيق عن الأنشطة التجارية للعائلة الحاكمة، وهي من المواضيع التي تعد من الخطوط الحمراء في المغرب، وأسبوعية “الجريدة الأخرى” التي خصصت بدورها عدد نهاية السنة لنشر استطلاع رأي حول “شخصية العام”، احتل فيها الملك محمد السادس المرتبة الثانية بعد ادريس بنزكري رئيس هيئة الانصاف والمصالحة، وأسبوعية “الأيام” التي نشرت ملف حول “الحريم الملكي”.
هذه النماذج الاستقصائية أدت إلى اصطدام حرية التعبير بإرادة السلطة، ودق الخوض في “المحرمات” ناقوس الخطر، وبدأ شبح الملاحقات القضائية يطارد العديد من الصحف والصحفيين. لتجد الصحافة نفسها في سلسلة من المحاكم، فكانت بذلك 2005-2006 “سنة محاكمة الصحافة المستقلة” بامتياز.
تلقت أسبوعية “الجريدة الأخرى” سنة 2005 رسالة تحذير شكلت سابقة من نوعها موجهة من مدير القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، يهدد فيها من مخاطر التعرض للشؤون الملكية بدون ترخيص من وزارته. فيما تعرضت مجلة “تيل كيل” لمحاكمتين في نفس السنة، الأولى كانت بدعوى “القذف” ضد برلمانية، حكمت فيها المحكمة على مدير الأسبوعية رضا بن شمسي والصحافي كريم البوخاري بالحبس مع وقف التنفيذ، مع غرامية مالية قدرها 800.000 درهم، والمحاكمة الثانية كانت إثر نشر المجلة لخبر زائف حول إحدى الشخصيات لتعتذر عن هذا الخطأ لكن “الضحية” أصرت على رفع دعوى لدى القضاء، الذي أدان المجلة وحكم بتعويض للضحية قدره 500.000 درهم.
أما أسبوعية الأيام التي نشرت ملفا متعلقا بالحريم الملكي، فقد قضت المحكمة ب 4 أشهر حبسا موقوف التنفيذ في حق كل من مديرها نور الدين مفتاح والصحافية مريم مكريم، مع تغريم مبلغ 100 ألف درهم لكل واحد منهما، وذلك لاعتبار المحكمة أن الأسبوعية “نشرت أخبار كاذبة وأن هذه الأخبار من شأنها أن تمس بالأمن العام”.
بعد توقيف العديد من المنابر الإعلامية التي استطاعت أن تثبت قدمها في المشهد الإعلامي المغربي، ظهرت هناك محاولات استقصائية الأخرى، تمثلت في برامج تحقيق من إنتاج قنوات القطب العمومي مثل برنامج 45 دقيقة من إنتاج الشركة العامة للإذاعة والتلفزة، وبرنامج “تحقيق” بالقناة الثانية وبرنامج “محققون” بقناة ميدي1، لكن هذه البرامج ظلت مقتصرة فقط على القضايا والملفات الاجتماعية، وبعيدة كل البعد عن خانة المحظورات و الخطوط الحمراء، وتتجنب الغوص في المواضيع الحساسة من قبيل قضايا الفساد أو تبذير المال العام التي تطال كبار المسؤولين.
عقبات تحول دون مأسسة الصحافة المستقلة في المغرب
الملاحظ أن المواجهات العديدة بين الصحافة المستقلة والسلطة، ماهي إلا عملية لمحاولة ضبط المشهد الصحفي باستخدام المدخل القانوني للتأثير على هذه الصحافة، باللجوء إلى قضايا تمس “شرف الأشخاص” لا المؤسسات. ولذلك فإن المراقب لسلسلة المحاكمات في حق الصحافة يقف على وجود عدة اختلالات أبرزها:
* عدم استقلالية القضاء؛
* غياب قضاء متخصص في الكتابة والنشر؛
* غياب “اجتهادات قضائية” في هذا المجال أو سوابق في الأحكام تساعد على فهم خصوصيات العمل الصحافي وخصوصيات “جرائم النشر”.
العائق الآخر الذي يواجه الصحافة في المغرب، هو “حق الحصول على المعلومة”، فبالرغم من أن دستور المملكة لسنة 2011 ينص في الفقرة الثانية من الفصل 27 على حق الحصول على المعلومة، ويكفله القانون 31.13 إلا أن هناك العديد من التحديات التي لا تزال تعيق التفعيل الحقيقي لهذا المبدأ، لتقييده بمجموعة من الضوابط والالتزامات، تتمثل بالأساس في توسيع المجالات المستثناة من حق الحصول على المعلومة إلى 13 مجالا.
في المادة السادسة من قانون الصحافة والنشر، يشار إلى أنه “يحق للصحفيات والصحفيين ولهيئات ومؤسسات الصحافة الولوج إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومات من مختلف المصادر، باستثناء المعلومات التي تكتسي طابع السرية.. إلخ”.
هنا يظهر، أن معظم الاستثناءات تشمل جوانب تبدو فضفاضة في صياغتها أكثر من كونها دقيقة، مما يترك مجالا للإدارات والمؤسسات إمكانية التنصل من واجبها في تقديم المعلومة للصحفيين.
الإشكالية الأخرى المتعلقة باستقلالية الصحافة في المغرب، هي مسألة التمويل. بحيث أن وزارة الاتصال في المغرب تخصص دعما سنويا للصحف والجرائد، لكن في المقابل، يشترط على هذه المنابر التوفر على الخضوع للشروط والضوابط المنظمة لهذه العملية. كما أن قانون الصحافة والنشر يقنن بشكل كبير حصول المنابر الإعلامية على تمويلات خارجية، وهنا بالأساس تبرز معضلة نشأة صحافة مستقلة بالمغرب، ذات تمويل خاص تسعى لإنجاز مهامها، متحررة من قيود السلطة السياسية وغير خاضعة لسيفها.
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الصحافة المستقلة في العالم العربي عموما والمغرب خصوصا، يمثل ملتقى أريج السابع عشر لهذه السنة تحت عنوان “صحافة بلا قيود”، فرصة قيمة لتسليط الضوء على أهمية تعزيز حرية التعبير ورفع الوعي حول الحقوق الأساسية للصحفيين.




















