خص الإعلامي بوشعيب الضبار كتاب ” الاستثناء المغربي”، للكاتب محمد الأمين أزروال، بتقديم تطرق فيه إلى السياق العام الذي تم فيه تأليف الكتاب، والظروف والملابسات التي رافقت تأليفه ونشره.
وفي ما يلي، النص الكامل للكلمة التقديمية للكتاب الذي تم في لقاء نظمته، أخيرا، شبكة المقاهي الثقافية في الرباط، برئاسة نور الدين أقشاني، الناشط الثقافي:
بتقديم شيق حمل توقيع الأستاذ حسن عبد الخالق، الإعلامي والسفير السابق، وتوطئة جميلة بقلم الأستاذة اسمهان عمور، الكاتبة والصحافية بدار الإذاعة الوطنية، المنشغلة دوما بالشأن الثقافي، يأتي هذا الكتاب الجديد ، ليرسم لنا معالم مغرب يتجسد أمام عيوننا، صرحا شامخا، قويا بتعدد روافده، معتزا بتنوع مكوناته، فخورا بهويته الأصيلة، ومقومات حضارته عبر التاريخ.
لقد كان من حسن حظي، بحكم الصداقة والتواصل اليومي مع الأمين، أن رافقت مخاض هذا الكتاب، منذ أن كان فكرة أشرقت في ذهنه ، مرورا بكل المراحل التي قطعها، إلى أن وصل إلى مطبعة “التوافق”، بدعم مادي ومعنوي من الناشر، وعنوان خطه الأستاذ الطاهر الطويل، وغلاف صممه الفنان عبد الله درقاوي، في انسجام تام مع طبيعة المضمون.
في البداية، وفي خضم انكبابه على تأليف الكتاب، تعرض الأمين لمحنة صحية، ما زال يعاني من تداعياتها، لكنها لم تمنعه من الاستمرارية، بل ظل متشبثا بمشروعه هذا، كأنه يسابق الزمن.
وحتى عندما خذلته الجهة الرسمية الوصية على الصحافة والاتصال، لم يجأر بالشكوى، بل واجه متطلبات العلاج من المرض بصبر وشجاعة، وإيمان قوي بالله، ودعم من أسرته الصغيرة، ومضى يعبر عن حبه لبلده من خلال هذا الكتاب الذي سكب فيه عصارة بحثه حول “الاستثناء المغربي”، في مختلف تجلياته وأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
لقد استغرق الأمين، في انجاز الكتاب مدة سنة كاملة، وأثبت، بالفعل أن الصحافي الحقيقي لا يتوقف أبدا عن الكتابة، مهما كانت الظروف.
صحيح أنه تقاعد إداريا، لكنه ظل وفيا لقلمه، متجاوبا مع نبض مجتمعه، بدليل أنه مازال يكتب يوميا، متحديا الألم، منذ إجرائه للعملية الجراحية الأولى سنة 2015.
والأمين حاضر أيضا في الفضاء الأزرق للوسائط الاجتماعية، “السوشيال ميديا”، يعبر دائما عن أرائه وقناعاته، في انحياز تام للدفاع عن قضايا الوحدة الترابية والمشروعية والحق والحرية والعدالة الاجتماعية .
في ظل هذا الحرص الشديد على الكتابة، صدر له حتى الآن، كتاب أول بعنوان “سنوات التحرير”، عن ذكرياته في عالم الصحافة، وكتاب ثان من الأهمية بمكان، بعنوان”رجال حول الملك”، وهو عن شخصيات سياسية وازنة في الدولة، وكتاب ثالث هو “الاستثناء المغربي”، الذي تحتفي به شبكة المقاهي الثقافية مشكورة، هذا المساء.
وفي حوزته الآن مشروع إصدار رابع جاهز، ينتظر فقط فرصة النشر، بعنوان “زعماء ووزراء في غفلة من الزمن”، وهو كتاب سياسي ممتع وطريف، يستعرض فيه الأمين أزروال، بالأسماء والصور، مسارات أشخاص أحرقوا المراحل، وتسلقوا الرتب في المشهد السياسي، ليس بكفاءاتهم وحدها، ولكن بطرق أخرى ملتوية.
ويتهيأ الأمين حاليا لطبع كتاب خامس حول صفحات من المقاومة الوطنية في وجه الاستعمار الفرنسي، بزعامة جده سيدي محمد بن بلقاسم، المعروف ب”سيدي محمد أوبلقاسم” من خلال الدور النضالي الذي قام به ، انطلاقا من زاوية سيدي بلقاسم أزروال، في قرية تيغزة، الراقدة وسط جبال الأطلس والريف.
والأمين سليل أسرة تنتمي للعلم والحركة الوطنية، فوالده المرحوم مولاي عبد الرحمان، وافاه الأجل وهو تحت الإقامة الإجبارية سنة 1950، وتركه وهو طفل صغير، وكان رجل علم ودين، ينشر نور المعرفة، ويصدر الفتاوى في مختلف النوازل.
ولقد خصص حيزا كبيرا في كتابه عن جده للمقاومة، متوقفا عند بعض رموزها ورجالاتها، الذين ساهموا بدمائهم في الملحمة الوطنية الكبرى للاستقلال ، حتى تعرف الأجيال الجديدة أن الحرية التي تنعم بها اليوم ليست وليدة فراغ، بل هي نتيجة كفاح مرير قاده الأجداد في كل أنحاء المغرب، لتبقى راية البلاد خفاقة في الأعالي.
وهذا الفتى القادم من بركين، مسقط رأسه، بعمالة جرسيف، يجر وراءه، كما تعرفون جميعا، مسارا مهنيا في عالم الصحافة، تبوأ فيها مختلف المواقع والمناصب، وهو خريج جامعة القرويين بفاس، والمعهد العالي للصحافة وعلوم الأخبار بتونس.
وفي بداية اشتغالي في الصحافة، كان رئيسي في صحيفة “المغرب العربي” التي كان يصدرها الزعيم السياسي عبد الكريم الخطيب.
إنه ينتمي لجيل ارتبط بالكلمة ارتباطا وثيقا.
جيل هاجسه الأساسي الحفاظ على القيم والنزاهة وأخلاقيات المهنة.
جيل متشبع بروح المسؤولية ومبدأ الحرية في التعبير.
جيل موسوعي ورائد كان يكتب تقريبا، في كل شيء ، في السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع، وحتى في الرياضة.
في هذا الكتاب الجديد، الذي بين أيدينا، والممتد على مساحة 170 صفحة، يغوص الأمين أزروال بالمتلقي عميقا، في الكشف عن كل “تعدد أوجه الاستثناء المغربي” ، بخصائصه ومقوماته، مستحضرا كل تمظهراته في علاقته بالهوية المتجذرة في التركيبة الشخصية المغربية المعروفة أيضا بانفتاحها، بفضل تشبعها بمختلف الثقافات.
هناك بالتأكيد، فيض وافر وغزير من المعطيات، يجمع بينها خيط ناظم واحد هو تنوع ملامح الاستثناء المغربي، جغرافيا وتاريخيا، دينيا وحضاريا، سياسيا واقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا.
إن المغرب، كما يطرح الكتاب، هو بلد الأولياء، ومنبع التصوف، والإشعاع الروحي، والتسامح الديني، وإمارة المؤمنين، وهو أيضا موطن التوازن السياسي، والنبوغ والفكر المغربي الذائع الصيت، بعلمائه ومبدعيه.
ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول، ولكل فصل مرتكزاته ومحاوره، وتتوزع بين عناوين متفرعة عنه، ومن بينها:الرمزية التاريخية للمملكة المغربية، وحصانة المغرب ضد الاستعمار، وتميز الطبخ المغربي، وجمالية الهندسة المعمارية، وغنى الموسيقى المغربية، وأصالة الصناعة التقليدية، وتألق المهاجرين في بلاد الغربة، ونجاعة مؤسسة المقدم والشيخ، واحتفال المغاربة بعيد المولد النبوي.
ومن بين الاستثناءات أيضا، يبين المؤلف كيف أن الربيع العربي كان ربيعيا حقيقيا في المغرب، بخلاف دول عربية أخرى تحول فيها إلى “خريف خلف دمارا ودماء ولا زالت أثاره بادية للعيان.”
وفي سرده التاريخي لكل أوجه الاستثناء المغربي ، يبسط الأمين الأرضية الأساسية للموضوع، مقرونة بالتفسيرات، متحدثا عن كل هذا برؤية الباحث المتمكن من أدواته المعرفية.
واستشهد المؤلف بأسماء مغربية لامعة، ساهمت في صنع “الاستثناء المغربي” في مختلف المجالات، واصفا هذه الكوكبة من الرجال والنساء ب”الاستثنائية”، “لأنها جاءت من الهامش، ووصلت إلى القمة، وبصمت تاريخ المغرب.”
واللائحة تضم العديد من الوجوه المضيئة، ومن بينها عباس المسعدي، رئيس جيش التحرير، والشيخ تقي الدين الهلالي الفقيه والعالم واللغوي المتبحر في السلفية، ومحمد مرادجي، مصور الملوك الثلاثة، والمهندس رشيد الإدريسي، مخترع اليورانيوم من الفوسفاط، ومحمد شكري، الكاتب العالمي، والملحن عبد السلام عامر، صاحب الروائع الغنائية، وجمال بنعمر، الوسيط الاممي، وميلود الشعبي، الرجل العصامي، وعبد القادر بنصالح، الذي جعل من ماء والماس مشروبا عالميا، ومحمد برادة صانع قصة نجاح شركة “سابريس”لتوزيع الصحف.
وبالنسبة للنساء الاستثنائيات، أفرد الكاتب صفحات خاصة لهن، وهن على التوالي: ثريا الشاوي، أول قائدة طائرة مغربية وعربية، وحليمة الورزازي، أول دبلوماسية عربية وافريقية وإسلامية، ونوال المتوكل البطلة الاولمبية العالمية، وفاطمة المرنيسي، عالمة الاجتماع الشهيرة، “التي كسرت طابوهات الحريم”، وزليخة نصري، أول مستشارة للملك، ومريم بنصالح شقرون، أول رئيسة لاتحاد أرباب المقاولات، وعائشة الشنا، التي كرست حياتها للدفاع عن حقوق المرأة.
وقبلهن مليكة الفاسي، المرأة الوحيدة الموقعة إلى جانب الرجال على وثيقة المطالبة بالاستقلال، وفاطمة الفهري مؤسسة جامع القرويين بفاس، وزينب النفزاوية، زوجة يوسف ابن تاشفين، والسيدة الحرة التي وصلت إلى منصب الحكم في شمال البلاد، وخاضت معارك ضد الغزاة.
في الكتاب أيضا، مجموعة من المقالات والتأملات التي لا تخلو من ملاحظات وانتقادات صريحة لبعض الظواهر والسلبيات التي تعج بها الحياة في المغرب، ولا تليق بعراقته، ومنها، مثلا، “إهداره للزمن” في قطاع التربية والتعليم، وفقدانه للبوصلة، بعد أن تحول هذا الميدان إلى “حقل للتجارب”، “وكل وزير يأتي بمخطط ومنهج، وفق مزاجه، ثم لا يلبث هذا المخطط أن يصبح لاغيا من طرف وزير آخر جديد، ” والنتيجة التي يستخلصها الكاتب هي وصولنا إلى “الطريق المسدود”.
ومن المآخذ التي يسجلها الأمين أزروال أيضا عن المغرب، أنه لم يستغل تراثه الإنساني جيدا، داعيا إلى تصحيح نظرتنا للتراث، ” بهدف إعطاء الاستثناء المغربي مدلوله الذي يليق به”.
ولم يفت المؤلف أن يتطرق أيضا إلى بعض مظاهر النصب والاحتيال، التي اختلفت باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية، مستحضرا في هذا السياق “سطان باليما”، الشخصية الأسطورية الاستثنائية، والرجل الداهية، صاحب المغامرات العجيبة.
ويكفي أن نعرف أن “سلطان باليما” لم يتردد يوما، وفق ما جاء في الكتاب، في النصب على عاهل البلاد، وتلك حكاية يطول شرحها، إلى جانب وقائع أخرى كان ضحاياها برلمانيون، وأناس بسطاء، وسياح أجانب، سلط عليها الأمين الضوء بالكثير من التشويق.
والحقيقة التي لاجدال حولها هي أن موضوع الاستثناء المغربي، وباعتراف الكاتب الأمين أزروال، يحتاج إلى مجلدات، وليس إلى كتاب واحد، وعسى أن تتبعه مبادرات وأبحاث أخرى تصب في هذا الاتجاه، وتغني النقاش بشأنه.
ويحسب لصاحبنا أنه بذل كل ما في وسعه للإحاطة بالموضوع ، بالبساطة التي تميز أسلوبه الذي اكتسبه من خلال ممارسته للمهنة، لعقود من الزمن.
ولا شك أن مساره المهني، وعطاءه الغزير يستلزم وقفة أطول، وكتابه هذا يستحق قراءة أعمق، لينال حقه كاملا من البحث والتأمل، وبالتأكيد فإن هذه الورقة ليست نقدا، بل مجرد محاولة متواضعة للتعريف بمحتواه، في انتظار قراءة أخرى في القادم من الأيام.
وبدون مجاملة، يمكن اعتبار هذا الكتاب، بما فيه من معطيات وحقائق عن الاستثناء المغربي، وثيقة مرجعية لا غنى عنها لكل باحث في تاريخ المغرب وحضارته.
وإذا كان الأمين أزروال ينفي عن نفسه، صفة المؤرخ، مكتفيا بصفة الصحافي، رغم أن ما قدمه في هذا الكتاب يكتسي طابعا تاريخيا، فإن كاتب فرنسا الشهير، ألبير كامي، هو من أطلق على كل من يمتهن حرفة صاحبة الجلالة، لقب “مؤرخ اللحظة”، لانغماسه في مواكبة الأحداث في إيقاعها اليومي.
في الختام، أستطيع أن اضمن للقارئ أنه سيخرج بحصيلة مهمة ورصيد جديد يضيفه إلى ثقافته العامة، وقد اكتشفت شخصيا في الكتاب جوانب كانت غائبة عن بالي.
ثمة متعة فكرية وفنية يستشعرها المتلقي وتثير شهيته للقراءة، وهو يتصفح الكتاب.
أخيرا، التمس منكم عذرا، إن أنا قمت بتقديم الكتاب، ونسيت الحديث عن مؤلفه الأمين أزروال الإنسان.
ولعل من أجمل خصاله تواضعه وعلاقته بالناس عموما، وابتسامته الدائمة، وضحكته المجلجلة، رغم الألم الداخلي جراء المرض، وهو يسعى دائما لالتئام شمل أصدقائه الصحافيين، في جلسات منتظمة، ولذلك اختاروه بالإجماع “منسقا عاما” لاجتماعاتهم، وهو الذي يضبط مواعيدها الأسبوعية، داعيا إلى الحفاظ على أواصر المودة والاحترام، قوية ومتماسكة، بعيدا عن التشنجات والصراعات الداخلية.
ولا شك أنه اليوم أكثر سعادة، وهو يلمس هذا الفيض المتدفق من مشاعر المحبة التي أحاطها به رفاق الدرب في هذا اللقاء، عربون صداقة لا تنفصم عراها أبدا.
شكرا جزيلا لكم على إصغائكم.




















