* جمال اشبابي – باريس
بين وعود التجديد ووجوه جديدة، تبدو الحكومة الفرنسية معرضة لموجة سياسية محتدمة، قد تتخذ شكل ملتمس رقابة من قبل المعارضة، في خطوة تهدد استقرارها منذ بدايتها. التجربة السياسية تشير إلى أن سجل ملتمسات الرقابة قد يشهد واحدة من أكبر محاولات الإطاحة المبكرة بالحكومة منذ سنوات، في ظل استياء شعبي ومعارضة حادة تسعى لكشف مدى جدية التغيير المعلن.
التعيينات الحكومية الجديدة في فرنسا، التي أعلن عنها مساء الأحد، حملت وعودا بعهد جديد، لكنها سرعان ما اصطدمت بموجة واسعة من الانتقادات والتشكيك في جدية هذا التغيير.
الحكومة التي ولدت في خضم أزمة سياسية بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، تبدو في نظر خصومها مجرد إعادة تدوير للنخب القديمة، تحت ستار وجوه شابة وأسماء تروج للقطيعة أكثر مما تعكسها فعليا على الأرض.
إذا كان تعيين سيباستيان لكرونو على رأس الحكومة جاء في محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي، فإن الكشف عن خمسة عشر وزيرا جديدا أثار جدلا كبيرا. التشكيلة تجمع بين شخصيات تكنوقراطية وشابة وأخرى محسوبة على الماكروينية القديمة، في توازن دقيق أراده قصر الإليزيه ليحقق مزجا بين الخبرة والاستمرارية من جهة، ورمزية التغيير من جهة أخرى، في وقت يحتاج فيه المشهد السياسي الفرنسي إلى رسائل قوية للمواطنين بأن التغيير ممكن وملموس.
ردود الفعل المعارضة جاءت لاذعة. زعيم حركة فرنسا الأبية، جان لوك ميلونشون، لم يخفي استيائه، واصفا الحكومة بأنها “كل هذا من أجل لا شيء؟!”، مستنكرا ما اعتبره استمرارا للسياسات القديمة التي أرهقت المواطنين. وفي نفس السياق، جاء موقف حزب التجمع الوطني (يمين متطرف) أكثر صراحة، إذ اعتبر زعيمه جوردان بارديلا الحكومة الجديدة “قطعا عنوانا للاستمرارية”، ملمحا إلى أن الوجوه الجديدة لا تعدو كونها تزيينا للسياسات نفسها التي وعد قادة البلاد بالتخلي عنها.
رغم التركيز الإعلامي على وجوه جديدة، كشفت التفاصيل أن عددا من الوزراء البارزين جرى تثبيتهم أو إعادة تعيينهم في مناصب محورية، ما يعزز رؤية المعارضة حول غياب القطيعة الحقيقية. من بينهم برونو ريتالو في وزارة الداخلية، وجيرالد دارمانان في وزارة العدل، وإليزابيت بورن في وزارة التربية الوطنية، إضافة إلى وزراء آخرين شغلوا حقائب رئيسية مثل جان نويل بارو للشؤون الخارجية، كاترين فوتران للصحة والعمل، ورشيدة داتي للثقافة. هذه الموازنة بين الوجوه الجديدة وإعادة تعيين كبار الوزراء تعكس محاولة الإليزيه تقديم حكومة “جديدة تقريبا” تحمل شعارات التجديد، لكنها في جوهرها تحافظ على خطوطها السياسية وخبراتها السابقة، في وقت يتطلع فيه الفرنسيون إلى تغيير ملموس وفعلي وليس مجرد إعادة تلوين للمشهد السياسي القديم.
في ضوء هذه التعيينات المثيرة للجدل، بدأت المعارضة الفرنسية تحرك خطواتها العملية، وقد لوحظ أن تقديم ملتمس الرقابة على الحكومة أصبح وشيكا. التقديرات تشير إلى أن العدد في سجل ملتمسات الرقابة قد يصل إلى مستويات غير مسبوقة، مع احتمال جمع دعم كبير من مختلف الأطياف السياسية، ما يضع الحكومة الجديدة تحت اختبار حقيقي منذ بدايتها ويكشف مدى هشاشة رمزية التجديد أمام واقع الاستمرارية.




















