تشهد الساحة المغربية تحولًا عميقًا في علاقة الشباب بالشأن العام. فوسط الغضب الاجتماعي والنقاشات الحادة، أصبحت المنصات الرقمية فضاءً حقيقيًا لإنتاج موقف جماعي وصناعة رأي عام جديد، يتجاوز حدود المؤسسات التقليدية. ويبدو أن جيل اليوم، الذي كثيرًا ما يُتهم بالابتعاد عن السياسة، وجد في الفضاء الرقمي أداة للتأثير والضغط، وصوتًا مضادًا يفرض نفسه على الدولة وعلى الفاعلين السياسيين.
لم يعد الاحتجاج الرقمي مجرد تعبير انفعالي، بل تحول إلى قوة اجتماعية تعيد صياغة النقاش العمومي، تكشف هشاشة الخطاب الرسمي عندما يبتعد عن نبض الشارع، وتضع النخب أمام مسؤولية جديدة: التعامل مع جمهور غير قابل للتوجيه وأسرع من الإعلام التقليدي في كشف التناقضات. فقد صار الشباب يصنعون رأيًا عامًا موازيًا، مستقلًا عن الأحزاب، وخارج حسابات المؤسسات، مستخدمين أدواتهم الطبيعية: الهاشتاغات، المقاطع القصيرة، البث المباشر، والتحليل السريع.
لكنّ هذه القوة الرقمية تعاني مفارقات واضحة، أهمها غياب التنظيم السياسي والقيادة الواضحة. وهذا يجعل العديد من موجات الغضب سريعة الاشتعال وسريعة الاندثار، دون أن تتحول إلى تغيير فعلي داخل المؤسسات. ومع ذلك، يظل تحول الاحتجاج من الشارع إلى الفضاء الرقمي علامة على ولادة مواطنة جديدة، تُمارس تأثيرها من الشاشات بقدر ما تمارسه في الواقع.
ولكي يصبح هذا الوعي الشبابي قوة تغيير حقيقية، لا بد من وصل الرقمي بالمؤسسات، وتطوير أشكال جديدة من المشاركة المدنية. فالرقمية ليست بديلاً عن السياسة، بل امتداد لها، حين تُستثمر بوعي ومسؤولية. وفي هذا التحول، قد يكون المغرب أمام جيل يرسم ملامح مرحلة جديدة، حيث يصبح الصوت الرقمي جزءًا من صناعة القرار، لا مجرد صدى غضب عابر.




















