بلاحدود bilahodoud.ma
تُعد الأرقام القياسية التي كشف عنها نزار بركة، وزير التجهيز والماء، المتعلقة بتغطية الثلوج لمساحة تناهز 55 ألفا و495 كيلومترا مربعا من تراب المملكة مؤشرا على تحول استثنائي في المشهد المائي المغربي، بعد سنوات من الإجهاد والجفاف الهيكلي.
“العباءة البيضاء”، التي اكتسَتْها “مساحات شاسعة” من المرتفعات، لا تمثل في نظر مختصين في الموارد المائية مجرد ظاهرة مناخية عابرة رغم قساوتها، وإنما بمثابة خزان استراتيجي طبيعي يعيد التوازن للمنظومة البيئية ويمنح الأمل في إنعاش الفرشات المائية السطحية والجوفية، على السواء، بعدما عانت من نضوب حاد؛ مما يضع الدولة أمام “ضرورة التخطيط الاستباقي” لاستغلال هذا الفائض المائي وتوجيهه نحو سد العجز في المناطق الأكثر تضررا.
في جوهر التحديات المطروحة تحويلُ هذا الرصيد المائي الضخم (خاصة مع ذوبانه) من “التدفق الموسمي” إلى “استدامة مائية” على مدار السنة؛ إذ يتطلب الأمر تفعيل آليات مبتكرة لتدبير مياه الذوبان عبر تعزيز البنية التحتية للسدود التلية، وتغذية الفرشات المائية الجوفية بشكل اصطناعي لضمان عدم ضياع هذه الموارد.
وأبرز متابعون وخبراء مختصون في الشأن المائي بالمملكة أن استثمار هذه الطفرة الثلجية يفرض الانتقال من منطق “تدبير الندرة” إلى منطق “حكامة الوفرة المفاجئة”، من خلال الربط بين الأحواض المائية وتطوير تقنيات رصد وتحليل سرعة ذوبان الثلوج، لضمان أقصى استفادة ممكنة تدعم الأمنَين المائي والغذائي لبلادٍ تتأثر بتسارع وحدة التقلبات المناخية.
ظاهرة جوية “قصوى”
وصف محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، التساقطات الثلجية في موسم الشتاء الحالي بأنها “حالة قصوى” (Situation Extrême)؛ نظرا لكميتها الكبيرة والمساحات الواسعة التي غطتها.
وأشار بازة، إلى أن هذه “الكثافة لم تُسجل منذ نحو عقدين من الزمن، حيث تؤكد البيانات الرقمية أن آخر حالة مشابهة تعود إلى قرابة 20 سنة مضت، خاصة أن الميزة الأساسية لهذا الموسم هي اتساع الرقعة الجغرافية التي شملتها الثلوج مقارنة بالسنوات الأخيرة”.
وأوضح الخبير الدولي في الموارد المائية أن “هذه الثلوج لا تُصنف كحالة “استثنائية” بالمعنى العلمي الدقيق؛ لأنها تكررت سابقا، لا سيما في عام 2006 وبالنسبة لأجيال عايشتها سابقا..
ولكنها تُعد “قصوى”؛ بالنظر إلى شدتها مقارنة بالمتوسط السنوي المعتاد”.
وأفاد المتحدث عينه بأن “معدل سُمك الثلوج (L’épaisseur) يتراوح في المجمل ما بين 40 و60 سنتيمترا كمتوسط عام”، مع تأكيده “وجود مناطق جبلية وعرة سجلت أرقاما أكبر، حيث وصل سُمك الغطاء الثلجي فيها إلى متر واحد أو أكثر في حالات خاصة”.
الأثر الهيدرولوجي
فصل محمد بازة، كيفية استفادة الموارد المائية من هذه الثلوج عبر “ثلاثة مسارات أساسية”، منبها إلى أن “التبخر يُفقد الثلوج جزءا يتراوح ما بين 10 في المائة و15 في المائة عبر عملية التبخر المباشر في الجو”.
وأشار الخبير الدولي في الموارد المائية إلى أثر إيجابي: “تغذية الفرشة المائية”، شارحا: “يتسرب جزء كبير من مياه الذوبان إلى باطن الأرض؛ مما يساهم بفعالية في إعادة تغذية الفرشات المائية الجوفية، خاصة في المناطق ذات النفاذية العالية”، في سياق موسوم بتواتُر 7 سنوات جافة.
أما عن الجريان السطحي والسدود؛ فيُنتظَر “تدفق كميات مهمة من مياه الثلوج عبر الوديان والمجاري المائية لتصب مباشرة في حقينات السدود؛ “مما يعزز المخزون المائي السطحي”، وفق تعبير المتحدث عينه.
أكد بازة أن “الثلوج تُعد مصدرا حيويا للمياه يفوق في جودته الأمطار أحيانا بسبب ذوبانها التدريجي الذي يسمح للأرض بامتصاص أكبر كمية ممكنة”، خالصا إلى أن هذه التساقطات (مطرا وثلوجا) هي “كلها فوائد” للمنظومة المائية الوطنية، وأن آثارها السلبية تقتصر فقط على بعض الإكراهات الاجتماعية المؤقتة مثل انقطاع الطرق في المرتفعات”.
ميزة الذوبان البطيء للثلوج
حول الأهمية الاستراتيجية لتساقطات “ثلوج موسم 2026” وأثرها على الموارد المائية في المغرب، اتفق محمد بنعطا، مهندس خبير في الجغرافيا البيئية ومنسق “التجمع البيئي لشمال المغرب” (إطار مدني)، مع المصرح سالف الذكر (بازة) في كون “التساقطات الثلجية الكثيفة التي شهدتها المملكة المغربية خلال مطلع عام 2026 ظاهرة جوية “قصوى” لم تشهد البلاد مثيلا لكثافتها ومساحتها منذ قرابة العقدين من الزمن”.
ولفت بنعطا، إلى أن “ثمة إجماعا بين الخبراء في مجالي الموارد المائية والجغرافيا البيئية على أن هذه التساقطات تمثل انفراجة مائية كبرى، رغم بعض الإكراهات الاجتماعية المؤقتة التي قد تخلفها في المناطق الجبلية”.
وأكد منسق “التجمع البيئي لشمال المغرب” أن “المساحات الشاسعة المغطاة بالثلوج حاليا تكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى سنوات الجفاف الماضية”، خاصا “المنطقة الشرقية للمملكة، التي لم تشهد مثل هذه الكثافة في التساقطات الثلجية منذ قرابة 15 عاما أو أكثر”، بتقديره.
وأوضح الخبير البيئي عينه “الفرق الجوهري بين الأثر الهيدرولوجي للأمطار وأثر الثلوج”، مبرزا أن الأمطار القوية عادة إلى “سيلان جارف”؛ وهو “ما يتسبب في تعرية التربة وانجرافها بشكل يضر بالأراضي الزراعية”، لافتا إلى أن “ميزة الذوبان البطيء للثلوج” تصنع الفارق: تمتاز الثلوج بذوبانها البطيء جدا؛ مما يسمح للمياه الناتجة عنها بالتسرب إلى أعماق الأرض بهدوء وسلاسة، وهو ما يضمن تغذية فعالة للفرشات المائية الباطنية (الجوفية)”.
إنعاش الموارد السطحية
أفاد بنعطا بأن الثلوج تساهم أيضا في إنعاش الموارد المائية السطحية؛ ففي الحالات التي لا يتم فيها امتصاص المياه (مثل وجود صخور صلبة)، تنساب مياه الذوبان نحو السدود بطريقة سلسة ودون إحداث أضرار انجرافية.
وشدد، على أن “الأهمية القصوى” لهذه الثلوج تظل في دورها الحيوي في “إنعاش التربة وإعادة ملء الخزانات المائية الجوفية، معتبرا إياها نعمة وخيرا كبيرا للمنظومة البيئية”.
وبالتالي، فإن الرؤى العلمية لكل من محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، ومحمد بنعطا، المهندس الخبير في الجغرافيا البيئية، تتحد في أن ثلوج موسم 2026 تمثل “مصدرا كليا للفوائد”؛ فبعيدا عن الأرقام والمقاييس، تظل هذه التساقطات الضمانة الأساسية لتعويض النقص في المياه الجوفية وتأمين الموارد المائية لفصلَي الصيف والخريف المقبليْن.




















