بلاحدود bilahodoud.ma
في سياق موازٍ لالتحاقه بالجامعة أواخر ثمانينات القرن الماضي، انخرط الدكتور عبد الرحيم العماري في العمل النقابي ضمن النقابة الوطنية للتعليم العالي بالمغرب، حيث راكم تجربة طويلة داخل هذا الإطار من مواقع متعددة. هذه التجربة مكنته، مع مرور الزمن، من بلورة رؤية تحليلية لوظيفة ودور هذا التنظيم النقابي، بعيدا عن التفاعل اليومي المباشر، ركز فيها على ما سماه “الاستراتيجية النضالية” للنقابة باعتبارها امتدادا لنسق الحركة الوطنية المغربية.
وسبق للعماري أن تناول في مقال سابق مع بداية الموسم الجامعي الحالي موضوع “سيناريوهات التعامل مع القانون 59-24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي”، قبل أن يعود اليوم لتحليل المعطيات الراهنة عبر تسعة محاور أساسية، تشمل: تقديم عام، سؤال التوتر داخل النقابة، العودة إلى القانون 59-24، بيان اللجنة الإدارية ليوم 15 فبراير 2026، قراءة في رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، العلاقة بين مجلس الجامعة ومجلس الأمناء، سياق التوتر بين النقابة والحكومة، دور وسائل التواصل الاجتماعي، ثم خاتمة بعنوان “شعرة معاوية” أو التخريجة المنتظرة.
ويستحضر الكاتب في هذا السياق، أجواء سنة 1997 المرتبطة بمرسوم 19 فبراير الخاص بالنظام الأساسي لهيئة الأساتذة الباحثين، حين تم تعيين إدريس البصري محاورا للنقابة، في ظرفية مشابهة من حيث التوتر.
ويواصل العماري تحليله للاستراتيجية النقابية، مركزا على إمكانية إيجاد مخرج توافقي بين النقابة والحكومة والوزارة، بما يسمح بتفادي سنة جامعية بيضاء، خاصة مع اقتراب اجتماع اللجنة الإدارية المرتقب في 12 أبريل 2026.
ووفق المسطرة التشريعية المغربية، فإن القانون 59-24 استكمل مساره، وينتظر نشره في الجريدة الرسمية بعد صدور أمر تنفيذه طبقا لدستور 2011. غير أن بؤر التوتر ما تزال قائمة، خاصة بخصوص إحداث مجلس الأمناء وبعض المقتضيات التي اعتُبرت مثار جدل.
ويشير الكاتب إلى إمكانية ترحيل النقاش إلى القوانين التنظيمية والتطبيقية، خاصة تلك المرتبطة بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين، مثل شروط الولوج والترقية، مستحضرا تجربة تجميد مادة “المستخدم لدى الجامعة” سنة 1997 بعد رفضها.
كما يتوقف عند التوترات الداخلية داخل النقابة، حيث تعرض مكونان من المكتب الوطني لانتقادات بسبب مواقفهما، في ظل تجاذبات مرتبطة بخلفيات سياسية وانتخابية، زاد من حدتها اعتقال طلبة بالقنيطرة وصدور بيانات تنديد بالعنف داخل الحرم الجامعي.
ويؤكد العماري أن قوة النقابة تكمن في استقلاليتها ووحدتها وتعدديتها، مستندا إلى معطيات تفيد بحيازتها 86% من مقاعد اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء وطنيا.
وعلى المستوى التشريعي، صادق مجلس النواب يوم 20 يناير 2026 بالأغلبية على مشروع القانون 59.24، حيث حظي بدعم 82 نائبا مقابل معارضة 33. وفي عرضه، أكد الوزير عز الدين ميداوي أن المشروع أُعد في إطار مقاربة تشاركية، وتمت المصادقة على تعديلات مهمة داخل البرلمان.
ويرتكز الخطاب الحكومي على إصلاح منظومة التعليم العالي عبر التخطيط الاستراتيجي، وتعزيز حكامة الجامعات، وإحداث مجلس الأمناء، إلى جانب تطوير البحث العلمي والتكوين، في حين يرى معارضون أن القانون يهدد استقلالية الجامعة ويكرس منطق تسليع التعليم.
وقد عبّرت اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي، في بيانها، عن رفضها القاطع للقانون، معتبرة أنه يمس بحرية الجامعة واستقلاليتها، ويناقض مبدأ المقاربة التشاركية، مطالبة بإعادته إلى طاولة الحوار.
كما دعت إلى الاستجابة الفورية لملفها المطلبي، الذي يشمل تسوية ملفات الترقية والدكتوراه الفرنسية، وتحسين الأوضاع المادية للأساتذة الباحثين، مع التأكيد على مواصلة برنامج نضالي تصعيدي يشمل إضرابات ووقفات احتجاجية.
وفي المقابل، ردت وزارة التعليم العالي بأن القانون استكمل مساره التشريعي ولا يمكن الرجوع إليه، مع فتح الباب للنقاش حول النصوص التطبيقية، مؤكدة احترامها للمقاربة التشاركية، واستمرار الحوار مع الفاعلين.
ويستعرض العماري أيضا رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لسنة 2025، الذي شدد على أهمية حسم القضايا الأساسية داخل القانون نفسه بدل الإحالة المكثفة على النصوص التنظيمية، محذرا من ارتباك محتمل في التنزيل.
كما أكد المجلس على ضرورة ضمان استقلالية الجامعة وتعزيز دورها الريادي في التنمية، مع اقتراح إحداث مجلس استراتيجي (مجلس الأمناء) إلى جانب مجلس الجامعة بصلاحيات تقريرية، دون علاقة تراتبية بينهما.
وفي خضم هذا الجدل، رصد الكاتب دينامية قوية على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، تمثلت في تداول وثائق وتسريبات وبلاغات، أبرزها ما نسب إلى إدريس لشكر بخصوص تدخله لتهدئة الأوضاع داخل الجامعات.
كما برزت انتقادات داخلية للمكتب الوطني للنقابة من طرف تيارات نقابية، اعتبرت أن بيان اللجنة الإدارية لم يعكس حقيقة النقاشات، محذرة من الالتفاف على الإرادة الجماعية.
ويخلص العماري إلى أن الوضع يتسم بتصاعد التوتر بين مكونات النقابة من جهة، وبينها وبين الحكومة من جهة أخرى، متسائلا عن سبل إنقاذ السنة الجامعية.
ويشير إلى أن السياق فرض تسريع وتيرة التشريع من طرف الحكومة، مقابل تأخر النقابة في التفاعل، ما يعكس تعقيدات ظرفية تتداخل فيها عوامل سياسية ومؤسساتية.
كما يسجل إيجابيات في الخطاب الحكومي، منها ضبط فوضى الدبلومات، وتحسين أجور الأساتذة، وتطوير النص القانوني عبر عدة صيغ، مقابل ملاحظات تتعلق بتمثيلية الأساتذة داخل هياكل الحكامة.
ويرى أن الحل يمر عبر تسريع الحوار، والتوافق العملي حول تنزيل القانون، ومعالجة الملف المطلبي بشكل شامل، وإصدار النصوص التنظيمية في آجال معقولة.
وفي الختام، يستحضر الكاتب حكمة معاوية بن أبي سفيان حول “شعرة معاوية”، باعتبارها رمزا للمرونة السياسية في تدبير الأزمات، داعيا إلى اعتماد مقاربة توازن بين مختلف الأطراف، حفاظا على مصلحة الجامعة والأجيال ومستقبل البلاد.




















