بلاحدود bilahodoud.ma
أعادت صحيفتا «ABC» و«El Debate» الإسبانيتان، في الثامن من شتنبر 2026، اسم المهدي حيجاوي إلى واجهة المشهد الإعلامي، من خلال رواية استخباراتية تقدم الرجل بصورة تكاد تجعله «الصندوق الأسود» لعدد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الأوروبية. غير أن هذا البناء السردي، رغم ما يحمله من إثارة وتشويق، يصطدم بسؤال أولي وبسيط: كيف يمكن لمسؤول غادر جهاز الاستخبارات الخارجية المغربية منذ سنة 2010 أن يتحول، بعد أكثر من عقد، إلى العقل الذي يقف وراء عمليات سيبرانية يفترض أنها وقعت في سنوات لاحقة؟
صحيفة «ABC»، في مادة أعدتها الصحافية كيتي غارات، قدمت حيجاوي باعتباره مسؤولاً سابقاً رفيع المستوى في جهاز الاستخبارات المغربية وقائداً لوحدة نخبوية تحمل اسم «أطلس»، وربطت اسمه بعملية اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. أما «El Debate»، عبر الصحافي أليخاندرو إنترامباساغواس، فقد ذهبت أبعد في رسم صورة الرجل، مقدمة تفاصيل عن إقامته وتحركاته بين شقة بالقرب من مدريد ومزرعة في كاسيريس، فضلاً عن حديثها عن امتلاكه ملفات وبيانات حساسة بحجم يناهز 2.6 جيغابايت.
بهذه الطريقة، يتحول حيجاوي في الرواية الإعلامية الإسبانية من موظف سابق غادر المؤسسة التي كان يعمل بها قبل سنوات طويلة إلى شخصية تبدو وكأنها لا تزال تحتفظ بقدرات استخباراتية واسعة، وتمتلك مفاتيح ملفات تمتد من مدريد إلى باريس. لكن المشكلة هنا لا تكمن في إمكانية احتفاظ شخص سابق بعلاقات أو معلومات، وإنما في الانتقال من هذه الفرضية إلى استنتاجات تتعلق بقيادة عمليات إلكترونية معقدة تتطلب، بطبيعتها، بنية تقنية وموارد بشرية وتمويلاً وقدرات تشغيلية مستمرة.
وهنا يظهر التناقض الزمني باعتباره الحلقة الأضعف في هذه الرواية. فإذا كان حيجاوي قد غادر جهاز الاستخبارات الخارجية المغربية سنة 2010، فإن إسناد عملية سيبرانية مفترضة وقعت بعد ذلك بسنوات طويلة إليه يحتاج إلى أكثر من مجرد الإيحاء بعلاقاته السابقة أو صفته الوظيفية القديمة. فالعمل الاستخباراتي ليس صفة دائمة يحملها الشخص معه أينما ذهب، كما أن امتلاك معرفة سابقة داخل جهاز أمني لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على توجيه عمليات لاحقة من خارج المؤسسة.
وبمعنى آخر، فإن السؤال الذي تطرحه الرواية الإسبانية لا ينبغي أن يكون فقط: من هو المهدي حيجاوي؟ بل أيضاً: ما الدليل الذي يربط بين حيجاوي، بعد مغادرته الجهاز سنة 2010، وعمليات يفترض أنها تمت بعد سنوات؟ وهل توجد وثائق مستقلة أو أدلة تقنية أو شهادات متقاطعة تثبت هذا الرابط، أم أن القصة تقوم أساساً على إعادة تدوير الصفة السابقة للرجل لإسناد أدوار لاحقة إليه؟
وتزداد علامات الاستفهام عندما تدخل شبكة العلاقات المنسوبة إلى حيجاوي في صلب القصة. فقد ركزت «El Debate» على علاقته بأمين بلخويا، المدير السابق لشركة «كيا موتورز المغرب» والمقيم في مالقا، مستحضرة معطيات حول ماضيه القضائي في المغرب. غير أن وجود علاقة بين شخصين، أو حتى وجود أشخاص ذوي سوابق أو ملفات قضائية في محيط شخصية معينة، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود شبكة استخباراتية دولية. فالانتقال من العلاقة الشخصية إلى الاستنتاج الأمني يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت طبيعة هذه العلاقة وأهدافها ووظيفتها.
كما أن إدخال أسماء متعددة ومنصات وتسريبات وملفات متفرقة في رواية واحدة لا يجعل الرابط بينها حقيقة تلقائياً. فكلما توسعت القصة، ازدادت الحاجة إلى أدلة أكثر صلابة، وليس إلى مزيد من التفاصيل التي قد تمنح الانطباع بوجود شبكة متماسكة من دون أن تثبت فعلياً وجودها.
ويبرز هذا الإشكال بشكل أكبر عند محاولة ربط اسم حيجاوي بقضية «بيغاسوس» وبالتحولات السياسية التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الماضية. فقد جرى في بعض الروايات الإعلامية الجمع بين عملية التجسس المفترضة، وقضية استهداف هواتف مسؤولين أوروبيين، وإقالة وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة أرانشا غونزاليس لايا، ثم التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء. وهي أحداث وملفات ذات خلفيات سياسية ودبلوماسية وأمنية معقدة، لكن اختزالها جميعاً في رواية واحدة تقودها شخصية غادرت موقعها الرسمي منذ 2010 يتطلب مستوى مرتفعاً جداً من الإثبات.
فالتغيرات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية لم تكن وليدة عامل واحد، كما أن التحولات في المواقف الرسمية للدول لا يمكن تفسيرها تلقائياً بعمليات تجسس أو ضغوط مفترضة، ما لم تقدم أدلة مباشرة تثبت وجود علاقة سببية بين هذه الوقائع. وإلا فإن الأمر يتحول من التحقيق الصحفي إلى بناء سردية تعتمد على تجميع أحداث متباعدة ثم تقديمها وكأنها حلقات في مخطط واحد.
ولا يعني ذلك أن حيجاوي لا يمكن أن تكون لديه معلومات أو علاقات أو معارف سابقة، ولا أن الملفات التي تثيرها الصحافة الإسبانية لا تستحق التحقيق. على العكس، فإن خطورة الادعاءات نفسها تفرض تحقيقاً أكثر صرامة، لا رواية أكثر إثارة. فإذا كانت هناك أدلة على تورطه في عمليات تجسس أو امتلاكه معلومات حساسة مرتبطة بأمن دول أوروبية، فإن المطلوب هو تقديم ما يثبت ذلك، وليس الاكتفاء بوصفه بـ«العقل المدبر» أو «الصندوق الأسود» لملفات استخباراتية كبرى.
كما أن الحديث عن بيانات وملفات رقمية بحجم 2.6 جيغابايت لا يحمل، في حد ذاته، دلالة على طبيعة المعلومات أو مصدرها أو قيمتها الاستخباراتية. فحجم البيانات لا يثبت محتواها، ومجرد حيازة ملفات لا يحدد تلقائياً كيفية الحصول عليها أو الجهة التي تقف وراءها أو ما إذا كانت أصلية وغير معدلة. وفي القضايا الحساسة من هذا النوع، تكون قيمة الأدلة مرتبطة بمصدرها وسلامتها وسلسلة حيازتها وإمكانية التحقق المستقل منها.
وتطرح الرواية كذلك سؤالاً حول المسؤولية المهنية للإعلام. فالصحافة الاستقصائية مطالبة بمساءلة الدول والأجهزة الأمنية وكشف الملفات التي تحاول المؤسسات إبقاءها خارج دائرة الضوء، لكن قوتها لا تقاس بحجم الإثارة التي تنتجها، وإنما بقدرتها على تقديم الأدلة التي تسمح للقارئ بالتمييز بين الحقيقة والفرضية.
وفي حالة حيجاوي، يبدو أن السؤال الأكثر إحراجاً بالنسبة للرواية الإسبانية لا يتعلق بما إذا كان الرجل شخصية غامضة أو مثيرة للجدل، وإنما بكيفية تفسير الفجوة الزمنية بين خروجه من جهاز الاستخبارات سنة 2010 والعمليات التي يجري ربط اسمه بها بعد ذلك بسنوات. فهذه الفجوة لا تثبت براءته ولا تدينه، لكنها تجعلها نقطة مركزية ينبغي على أي تحقيق جاد أن يجيب عنها بوضوح.
وبدل أن يتحول تاريخ الرجل الوظيفي إلى مفتاح جاهز لتفسير كل ملف استخباراتي لاحق، يفترض أن يكون العكس هو الصحيح: الأدلة الجديدة هي التي تمنح الماضي معناه، وليس الماضي وحده الذي يصنع أدلة على وقائع لاحقة.
لهذا، فإن ما تحتاجه الرواية التي قدمتها «ABC» و«El Debate» ليس مزيداً من التفاصيل المثيرة، وإنما المزيد من الأدلة القابلة للتحقق. فربط رجل غادر «لادجيد» سنة 2010 بعمليات سيبرانية لاحقة يتطلب إثباتاً يتجاوز الصفة السابقة، وربط علاقاته الشخصية بشبكة استخباراتية دولية يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد التقاطعات، وربط التحولات السياسية في مدريد بقضية تجسس يحتاج إلى أدلة تثبت العلاقة السببية.
وفي غياب هذه العناصر، يبقى «الجاسوس الخارق» الذي تقدمه الرواية الإسبانية أقرب إلى شخصية سردية جرى تحميلها بأدوار متعددة، أكثر منه حقيقة استخباراتية مكتملة الأركان. أما الاختبار الحقيقي لهذه الرواية، فيظل بسيطاً: أين الدليل الذي يربط بين رجل غادر جهازه سنة 2010 وعمليات يفترض أنها وقعت بعد ذلك بسنوات؟
هناك تحديداً، عند هذه النقطة الزمنية، تبدأ الرواية الإسبانية في مواجهة أصعب أسئلتها.




















