بلاحدود bilahodoud.ma
تعد الفرقة الوطنية للشرطة القضائية واحدة من أبرز الوحدات المتخصصة التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، بالنظر إلى طبيعة القضايا التي تتولى البحث فيها، وتعقد الملفات التي تتطلب خبرة عالية في التحري وجمع المعطيات وربط الوقائع وتتبع الخيوط الإجرامية، خصوصا عندما تتجاوز الجريمة حدود مدينة أو جهة واحدة.
ومنذ إحداثها، تطورت مهام الفرقة الوطنية بشكل متواصل، لتشمل مجالات متعددة، من مكافحة المخدرات والتهريب والجريمة المنظمة، إلى الجرائم الاقتصادية والمالية وغسل الأموال والهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر والجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة. كما عززت المديرية العامة للأمن الوطني بنيتها المتخصصة لمواكبة التحولات التي تعرفها الجريمة وأساليب ارتكابها.
وتكمن أهمية العمل الذي تقوم به هذه الفرقة في طبيعة الملفات التي تتطلب أبحاثا دقيقة وطويلة النفس، بعيدا عن الاستعراض، حيث يعتمد المحققون على تجميع المعطيات وتحليلها وربطها ببعضها البعض، قبل الوصول إلى النتائج التي تسمح بتحديد المسؤوليات وإيقاف المشتبه في تورطهم، تحت إشراف السلطات القضائية المختصة.
ولا يقتصر حضور الفرقة الوطنية على الملفات الإجرامية ذات البعد الوطني، بل إن اختصاصها يمتد، وفق الإطار القانوني المنظم لها، إلى مجموع التراب الوطني في القضايا التي تحال عليها من طرف السلطات القضائية أو الإدارية المختصة، كلما اقتضت ضرورة البحث أو طبيعة الجريمة ذلك.
وفي الجانب المرتبط بالتعامل مع المرتفقين، يبرز أيضا أن العمل داخل هذا المرفق الأمني لا ينفصل عن قواعد المرفق العمومي، بما تفرضه من احترام للقانون، وحسن استقبال المواطنين، والاستماع إلى الشكايات والإفادات، والتعامل مع الملفات بالجدية والسرية التي تقتضيها طبيعة الأبحاث القضائية.
وهنا تبرز قيمة العمل المؤسساتي؛ فنجاح البحث القضائي لا يقاس فقط بعدد التوقيفات، وإنما كذلك بمدى احترام المساطر، ودقة الأبحاث، وجودة الأدلة والمعطيات التي يتم جمعها، والتنسيق مع النيابة العامة وباقي المصالح الأمنية والقضائية.
كما أن البنية الجديدة للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، التي دشنت سنة 2021، صممت لتحتضن مصالح ومكاتب متخصصة في عدد من المجالات الإجرامية، من بينها الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والمخدرات والمؤثرات العقلية، والهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر، والجريمة الاقتصادية والمالية وغسل الأموال، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة.
ويأتي هذا التطور في سياق أوسع من تحديث أدوات العمل الشرطي وتطوير التخصص، خصوصا في مواجهة الجرائم التي أصبحت تعتمد وسائل تقنية متطورة وشبكات تمتد أحيانا خارج الحدود الوطنية، وهو ما يفرض على المحققين مواكبة مستمرة في مجالات البحث الرقمي والخبرة العلمية والتعاون الأمني الدولي.
وفي هذا الإطار، يستحق عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، التنويه بالنهج الذي عمل على ترسيخه داخل المؤسسة الأمنية، والقائم على تطوير البنيات الأمنية، وتعزيز التخصص، وتحديث وسائل العمل، ورفع جاهزية المصالح المكلفة بمواجهة مختلف أشكال الجريمة. وقد أشرف حموشي شخصيا على تدشين المقر الجديد للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء سنة 2021، في إطار مواكبة تطور مهامها وتوفير بنيات ملائمة لعمل المصالح المتخصصة.
كما أن التجربة المغربية في مجال مكافحة الجريمة المنظمة أصبحت محط اهتمام وتعاون مع أجهزة أمنية أجنبية؛ فقد أعلن في مارس 2026 عن اهتمام الجانب الليبيري بالاستفادة من تجربة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في مكافحة الجريمة المنظمة، إلى جانب تجربة المكتب المركزي للأبحاث القضائية في مكافحة التطرف والإرهاب والخبرة المغربية في مجال الشرطة العلمية والتقنية.
هذا، فإن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لا تعمل بمنطق التوقيف فقط، وإنما بمنظومة متكاملة أساسها البحث والتحري والتخصص والدقة واحترام المساطر القانونية، وهو ما يجعل عملها جزءا أساسيا من منظومة العدالة الجنائية ومواجهة الجرائم التي تتطلب إمكانيات وخبرات تتجاوز العمل الأمني التقليدي.
ويبقى عمل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية نموذجا للعمل الأمني المتخصص الذي يجمع بين الخبرة والدقة واليقظة الميدانية، في إطار احترام القانون وخدمة أمن المواطنين، فيما تواصل عناصرها أداء مهامها بكفاءة عالية في مواجهة القضايا الإجرامية الأكثر تعقيدا، بما يعزز الثقة في المؤسسة الأمنية ودورها في حماية المجتمع.








