بلاحدود bilahodoud.ma
بعد خروجه من السجن بعفو ملكي، لم تمض عليه سوى أيام قليلة، حتى ظهر سليمان الريسوني في جلسة خاصة بمدينة الدار البيضاء، يتحدث بثقة مفرطة عن مستقبله المهني والسياسي، وكأن سنوات السجن لم تترك أثرًا في خطابه أو تصوراته. في هذه الجلسة، التي ضمت أصدقاءً مقربين، كشف الريسوني عن تصورات يراها البعض صادمة وغير متوقعة من شخص طالما رُفع اسمه في سياق الدفاع عن الحريات.
خلال هذه الجلسة، توجه أحد الحاضرين، وهو صديق قديم لسليمان، بسؤال مباشر حول خططه لما بعد السجن، بل وعرض عليه فرصة مهنية محترمة داخل مؤسسة إعلامية إلكترونية، براتب شهري يناهز 14 ألف درهم. لكن الريسوني رفض العرض باحتقار واضح، قائلاً: “واش نْت حمق؟ أنا دخلت للحبس باش نْتخلص 14 ألف درهم؟”.
تصريح الريسوني هذا فتح الباب لسلسلة من المواقف التي أماطت اللثام عن عقلية مختلفة تمامًا عن تلك التي رُوّج لها سابقًا. إذ لم يُخفِ أن سقف طموحاته المادية كان دائمًا مرتفعًا، مشيرًا إلى أن أجره السابق كرئيس تحرير كان يتجاوز 30 ألف درهم، متبوعًا بمجموعة من “الامتيازات”، على حد وصفه. في ذات السياق، أوضح أنه اليوم لا يبحث عن عمل، بل يرى أنه “يستحق تعويضًا”، معتبراً أن الدولة هي الجهة التي يجب أن تُعطيه ذلك التعويض.
وحين استفسره صديقه عن الأساس الذي يستند إليه في مطلبه، جاء الجواب صادماً: “أنا ما سوقيش… الدولة خاصها تعطيني باش نعيش، وإذا ما عطاونيش، غادي نخرج فيهم كلشي… الملك، الصحراء… ما عندي ما نخسر”. في هذا التصريح، لم يترك الريسوني مجالًا للبس في تهديده العلني باستعمال أوراق سياسية حساسة كوسيلة ضغط من أجل تحقيق مكاسب شخصية، في تصرف وصفه بعض المقربين بالابتزاز السياسي المبطن.
الأكثر إثارة في الحوار كان عندما أشار صديقه إلى أن هذا التوجه قد يُضر بقضية المعتقلين الآخرين، لا سيما نشطاء حراك الريف، فجاء رد الريسوني ليعمّق من صدمته: “ما سوقيش فحتى حد… وما تقارنيش بريافة… أنا سليمان الريسوني، والزفزافي كان غير سيكيريتي… يبقى في الحبس ويموت فيه، أنا ما كيهمنيش… والله حتى نريب الحفلة إلا ما عطاوني”.
كلمات الريسوني، كما نُقلت عن هذا اللقاء، طرحت تساؤلات عميقة حول حقيقة مواقفه السابقة، والنية الحقيقية من خطاباته التي طالما تم تسويقها على أنها تعبير عن “نضال” من أجل حرية الصحافة وحقوق الإنسان. فهل كنا أمام صوت حر بالفعل؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خطابًا انتقائيًا براغماتيًا يستعمل قضايا الحقوق والحريات كرافعة لتحقيق مكاسب شخصية آنية ومادية؟
الجواب يبقى مفتوحًا للنقاش، لكن ما يبدو واضحًا من هذا اللقاء أن الخطاب الذي يتبناه سليمان الريسوني بعد خروجه من السجن لا يعكس نهجًا نضاليًا بقدر ما يعكس تصورًا نفعيًا، بعيدًا كل البعد عن قيم التضحية أو المسؤولية التي يحملها من يدّعي الدفاع عن قضايا المجتمع.
في انتظار ما قد تكشفه الأيام المقبلة من مواقف أو تحركات جديدة، يظل هذا اللقاء مجرد حلقة أولى في سلسلة ستكشف – على ما يبدو – عن الكثير مما ظلّ مستورًا في شخصية سليمان الريسوني، وعن طبيعة علاقاته وخلفيات مواقفه التي تحتاج إلى إعادة تفكيك وتأمل عميق.




















