بلاحدود bilahodoud.ma – الأيام 24
يشهد المشهد المؤسسي في المغرب منذ أشهر، سلسلة تحولات لافتة تمس هيئات دستورية واقتصادية كبرى، من مجلس المنافسة إلى المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وصولا اليوم إلى بنك المغرب، حيث تلوح في الأفق بوادر توتر متصاعد بين والي البنك، عبد اللطيف الجواهري، ورئيس الحكومة عزيز أخنوش.
مصادر التوتر ليست سياسية في الظاهر، بل اقتصادية وتقنية. فعبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب، المعروف بدقته وصراحته، لم يتردد خلال الندوات الصحفية الدورية لبنك المغرب في توجيه انتقادات ضمنية لسياسات الحكومة، خاصة في ما يتعلق بالتضخم، وتراجع فرص الشغل، وتباطؤ الإصلاحات الهيكلية.
ففي أكثر من مناسبة، أشار الجواهري إلى أن “التوازنات الماكرو اقتصادية لا تُبنى بالشعارات”، وهي عبارة فُسّرت من طرف عدد من المراقبين بوصفها رسالة مبطنة إلى الحكومة التي تفضل تسويق خطاب التفاؤل والنمو بدل الاعتراف بالاختلالات البنيوية.
في المقابل، يحرص أخنوش على الترويج لصورة “حكومة الإنجاز”، خصوصا في سياق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما يجعل أي قراءة نقدية من مؤسسة سيادية مثل بنك المغرب تُربك الخطاب الرسمي وتُفسد السردية الحكومية حول الانتعاش الاقتصادي.
تزامن تصاعد الجدل مع إعفاء أو تغيير رؤساء مؤسسات حساسة مثل رئيس مجلس المنافسة السابق الذي دخل في خلافات حول ملفات احتكار السوق وتسعير المحروقات، والمندوب السامي للتخطيط سابقا، أحمد الحليمي، الذي طالما أصدر تقارير تُناقض المعطيات الحكومية حول نسب النمو والتشغيل، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي السابق، أحمد رضا الشامي، الذي قدم بدوره توصيات انتقدت البطء في تنزيل نموذج التنمية الجديد.
هذه التحولات المتتالية أثارت تساؤلات حول مدى احترام مبدأ استقلالية المؤسسات المنصوص عليه في الدستور المغربي، مقابل بروز توجه نحو مركزة القرار الاقتصادي والسياسي بيد السلطة التنفيذية.
منذ تعيينه على رأس بنك المغرب سنة 2003، حافظ الجواهري على سمعة الحياد والاستقلالية، وحظي بتقدير واسع داخليا ودوليا. كما اشتهر بمواقفه الصارمة في الانضباط المالي والشفافية النقدية.
لكن هذا الخطاب التقني الصارم لا يروق بالضرورة لحكومة تسعى لتقديم مؤشرات سياسية إيجابية بأي ثمن. ومع بلوغه سنا متقدمة واقتراب نهاية ولايته، يتساءل البعض عما إذا كانت مرحلة الجواهري تقترب من نهايتها في ظل الخلافات التي تزداد اتساعا في الرؤية بينه وبين رئيس الحكومة.
التحليل الأعمق يشير إلى صراع بين منطقين مختلفين في الحكم. منطق الاستقلال المؤسساتي الذي يُمثله الجواهري وعدد من رؤساء الهيئات الدستورية، ومنطق الانسجام التنفيذي الذي يدافع عنه أخنوش، والذي يرى أن تعدد الأصوات النقدية داخل الدولة يربك صورة الأداء العام.
وفي ظل تراجع منسوب النقاش العمومي حول الإصلاحات الاقتصادية، تزداد المخاوف من تحول التناغم المؤسساتي إلى تطابق قسري في الخطاب، وهو ما قد يُضعف وظيفة الرقابة والتقييم التي أُنشئت من أجلها هذه الهيئات.
قد لا يكون عبد اللطيف الجواهري خصما للحكومة بقدر ما هو تعبير عن بقاء جزء من الدولة العميقة في موقع التوازن بين السياسي والاقتصادي. لكن الرمزية، التي يمثلها صوت نقدي مستقل من داخل المؤسسة الرسمية، تجعله مرشحا لأن يكون الضحية المقبلة في معادلة إعادة رسم مراكز القوة داخل الدولة.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل سيتحمل النظام السياسي في المغرب استمرار أصوات مستقلة داخل مؤسساته، أم أن مرحلة التحكم في الخطاب الاقتصادي ستشمل حتى أكثر الهيئات استقلالية؟




















