بقلم: نجيب ميكو
خبير في المستقبليات والدراسات الاستراتيجية
إن كان هناك شيء موحد لكل اختلافات الرؤى والتحاليل والتعليقات والردود التي أعقبت ما جرى يوم الخميس عاشر دجنبر 2020، فإنه بكل تأكيد استثنائية وتفرد هذا اليوم الذي سيظل بثقل ما حمله من قرارات، موثقا في سجل الأحداث الكبرى ذات البعد الدولي التي لا تنسى.
لقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأعظم في العالم والعضو الأبرز في مجلس الأمن، بمغربية الصحراء، وقررت فتح قنصلية في مدينة الداخلة. كما اعترف المغرب بدولة إسرائيل وجدد تشبثه بحل الدولتين وبالقدس الشرقية، كعاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة والكاملة السيادة.
لقد زلزلت هذه القرارات الأرض تحت كراسي وأقدام عديدة، وبعثرت أوراقا وحسابات ظنها الكثيرون قارة وموثوقة، وأربكت عقولا وألسنة، وأخرست وأنطقت وأسعدت وأبكت، لشدة وقع حمولتها السياسية والنفسية.
إلا أنه رغم زخم التحاليل والقراءات المتعاقبة بوثيرة متسارعة، بما فيها المعلنة والمتخفية وراء الأبواب المغلقة في بلدنا كمعني أول وأساسي بقرارات هذا العاشر من دجنبر، فإن الكلامين الرسمي والعام على حد سواء، قد سكتا لاعتبارات مختلفة، عن ثابتين هما في صميم وجوهر الديبلوماسية المغربية في كل تعبيراتها وتجلياتها طوال العشرين سنة الأخيرة، وبالتالي مفتاح قراءة وتدبر ما حدث، بعيدا عن مجرد عواطف وحماسات طبيعية أو مصطنعة مهما كانت توجهاتها وخلفياتها، أو عن أي استنتاجات وبديهيات مستشفة من منطق العصر الذي لا يدين إلا باللهث وراء المنافع والمصالح الآنية، ويبرر ويتقبل كل شيء باسمها.
1- ثابت القناعات القارة المتجدرة التي تنهل من رصيد أخلاقي وقيمي :
من البديهي أن المغرب ليس قوة اقتصادية ولا عسكرية ولا علمية ولا تكنلوجية عظمى، إلا أنه لم ينحن ولو مرة لعاصفة أو مساومة أو ابتزاز أو ضغط أو تحرش أو استفزاز، كما لم يقحم نفسه ولو مرة في مناورة أو صفقة رثة، ولا في ماء عكر ولا انجذب نحو حسابات ظرفية مهما كانت ربحيتها القريبة أو بعيدة المدى. الديبلوماسية المغربية لم تدبر ولو مرة واحدة خلال السنوات العشرين الأخيرة بمنطق قاعات القمار، ولا بمنطق المقايضة و”عطيني نعطيك”، ولا بمنطق النزق الفج. مكمن الحكمة في ذلك، أنها ظلت راسخة القناعة مهما كلفها الأمر، بأن السياسة في باب الثوابت، هي أولا أخلاق وقيم ومبادئ وقناعات، وأن الإنسانية إن تخلت عن القسط الواجب الوجود من كل هذا، فإنه حري بها أن تنحل من إنسيتها، وأن تجد لنفسها انتسابا جديدا لخلق آخر غير الذي خلقت فيه وله.
فالذي سكت عنه الكلام الرسمي والعام بهذا الشأن، هو أن المغرب على محدودية قدراته، لم ينحز ولم يساير ولم يوقع ولم يشاطر باسم أي مصلحة ذاتية مهما كانت أهميتها الاستراتيجية البالغة البليغة، “صفقة القرن” التي أعدها رئيس أقوى دولة في العالم، تحت هاجس الإنحياز لإسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وعلى حساب القدس الشريف ثالث الحرمين لملياري مسلم، كما روج لها بقوة الحديد والنار وشتى أنواع الضغط أو الإستمالة.
المسكوت عنه في الكلام الرسمي والعام، هو أن المغرب متشبث برفض “صفقة القرن” الأمريكية، متشبث بمواقفه وقناعاته وقيمه وأخلاقه بهذا الشأن. بل إنه جعل من حدث عاشر دجنبر التاريخي، فرصة مواتية وسانحة وحاسمة للفصل الواضح بين الثابت والمتحول، وللتعبير مباشرة للرئيس الأمريكي وللعالم بأكمله من خلاله، عن سعادته الأكيدة باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية صحرائه، ولكن في نفس الآن، عن اختلافه الجوهري بشأن المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية والإسلامية، وعن ضرورة التمسك بالقسط الواجب من الأخلاق في السياسة، عبر إنصاف شعب وديانة كونية، كأحد شروط السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط والعالم.
2- ثابت الكرسي المملوء عوض الكرسي الفارغ :
اختار المغرب طوال العشرين سنة الأخيرة دون أدنى استثناء ولا ملل، أن يكون في واجهة الأحداث التي تعنيه، أن يكون في صميم صنعها والتفاوض بشأنها والتأثير المباشر فيها عملا بمنطق “ما حك جلدك مثل ظفرك”، وذلك عوض تفويض ملفاته وقضاياه الوطنية والدولية لمن يتكفل بها بالوكالة عنه، أو ترك الفضاءات الدولية واسعة شاسعة مشرعة أمام الذبذبات السلبية، والإدعاءات والتسميم والتشهير والأكاذيب والمصالح المتعارضة والأذى، أو الإرتماء بين أحضان الوساطات، إما السلبية أو المنحازة أو غير المجدية أو غير الكفئة أو المحرجة، والتي تبين له من خلالها وفي جميع الأحوال، أنها مكلفة بشريا وماديا وزمنيا.
لقد بسط المغرب بعد طول صمت وجفاء، اليد للجارة الشقيقة الجزائر طالبا ملحا بأن يناقش البلدان قضاياهما العالقة مباشرة دون أي وساطة، رغم كل الماضي المثقل بسوء الفهم أو النوايا.
لقد عاد المغرب إلى كرسيه الذي تركه شاغرا لسنوات عديدة في مقر الإتحاد الإفريقي، رغم مواقف معادية وعنيدة وشرسة لبعض الدول الأعضاء، ورغم كون البوليزاريو نفسه قد تم دسه في صفوفه، وهو الذي يعادي بالوكالة، قدسية الوحدة الترابية للمملكة.
لقد مد المغرب اليد مباشرة للجارة الكبيرة والشريكة المتميزة إسبانيا، لترسيم مشترك للحدود البحرية بينهما في المحيط الأطلسي، وهو يتبنى يقينا نفس المقاربة الرصينة والمصممة فيما يخص سبتة ومليلية.
لقد فتح المغرب ذراعيه وقلبه وعقله وبيته للفرقاء الأشقاء الليبيين، من أجل رأب الصدع في قضية حيوية بالنسبة إليهم وإليه وللمنطقة وللعالم.
فهذا إذن بالضبط هو الثابت الثاني الذي سكت عنه الكلام الرسمي والعام في حدث عاشر دجنبر، إذ تحمل المغرب الرسمي كل ثقل ورمزية الإعتراف بعدو السبعين سنة، محليا وعربيا وإسلاميا في سبيل تفعيل نفس وصفته البراكماتية الثابتة الراسخة لقضاياه الوطنية والدولية، التي تكمن في ملئ الكرسي الفارغ والجلوس أمام الآخر، أيا كان هذا الآخر، وجها لوجه.
وبلدنا وهو يقدم على هذه الخطوة الحساسة جدا التي يمكن أن تعاكس بعض الأهواء والمقاربات والقناعات الجامدة العقيمة، التي يتم اجترارها جيلا بعد جيل منذ عشرات السنين، والتي لا تزيد إلا في دفع قضية فلسطين والقدس السليبين نحو مزيد من التيه في دهاليز نفق طويل وعميق ومنهك ومدمر، أو في أحسن الأحوال نحو متاهات وتهافت “صفقة القرن”، لم يفعل ذلك بمنطق الإرتماء المتهور في غياهب المجهول والعبث أو الإنقلاب على قيمه الثابتة المميزة طوال السنين، وما يحمله ذاك المنطق من تعميق للجراح، ونثر لمزيد من الضبابية على الواقع المتدني الحالي، بل إنه لزاما قد أحصى كل الفرص المتاحة والمخاطر المحتملة، مثلما سطر بثقة واقعية كل القيمة المضافة التي سيتمكن من أجرءتها وتفعيلها بسلاسة وفعالية أكبر وجها لوجه أمام الطرف الآخر، عوض الإستمرار في قبول تقتيل الشعب الفلسطيني، والإستنكار والبكاء والشفقة عن بعد، والإتكال على وساطة أمريكية منحازة كليا ضد هذه القضية المحورية.
إنه من قبيل تحصيل الحاصل، التذكير هنا أن النظام المغربي المتجدر في التاريخ والشرعية، يحظى بمكانة متميزة وثابتة لدى مختلف الدول العربية والإسلامية بمختلف قناعاتها، كما يستأثر النظام المغربي بمصداقية خاصة لدى مختلف الدول العظمى، مثلما لا يخفى إلا على من لا ذاكرة ولا بصيرة له، أن ثقل وتعلق جاليتنا اليهودية في إسرائيل بالمغرب وبملوك المغرب، يجعلون من المغرب ومن ملك المغرب بكل تجرد وموضوعية، المخاطب الأكثر قبولا من كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، والأكثر مصداقية وفعالية وتأثيرا في البناء لمسار إيجابي عادل وعاجل، يرنو إنشاء الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية، ودولة إسرائيل بعاصمتها القدس الغربية.
إنه وإن وجد مخالف لمقاربة الكرسي المملوء الرسمية، وهذا شيء عادي ينهل من صميم الديمقراطية ويجب أن يتقيد بها، فإن نتائجها الإيجابية المتوالية في مختلف القضايا التي باشرها بلدنا طوال العشرين سنة الأخيرة، إذ العبرة بالخواتم، تجعل الكفة راجحة جدا لصالح المقاربة الرسمية رغم كل مخاطرها المحسوبة، ومن تم وجب دعمها بكل الوسائل، وحشد الطاقات لها وخلفها من أجل رفع نسبة حضوض نجاحها أيضا في قضية الشعب الفلسطيني والقدس الشريف، التي تحظى بالأهمية القصوى لدى بلدنا ملكا وشعبا.




















