بقلم: عبد الرفيع بنعزوز – بلا حدود
لم يكن نهائي كأس أمم إفريقيا مجرد مباراة تُحسم بتفاصيل تقنية داخل المستطيل الأخضر، بل كان لحظة كاشفة سقطت فيها الأقنعة، وظهر بوضوح أن كرة القدم استُعملت كأداة ضغط وشحن وتحريض، في محاولة لجرّ المشهد الرياضي، وربما الإقليمي، نحو فوضى محسوبة العواقب.
منذ أسابيع سبقت النهائي، تعرّض المغرب لحملة تشكيك غير مسبوقة، لم تكتفِ بالنقد الرياضي، بل ذهبت مباشرة إلى الطعن في النزاهة والاتهام العلني. تصريحات وإشارات حركية من حسام حسن، وأقوال منسوبة لبعض اللاعبين بأن “الكأس محسومة مسبقًا”، رافقها خطاب إعلامي جزائري شبه موحّد، روّج لفكرة أن البطولة “مُشترَاة”، وأن التتويج “مقرّر سلفًا”، مع استهداف مباشر لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع. هذا الخطاب لم يكن بريئًا ولا عفويًا، بل شكّل تحريضًا جماهيريًا صريحًا، دون أدلة، ودون اعتبار لتداعياته الأمنية والإنسانية.
مما زاد الطين بلة تصريح مدرب السنغال بابا ثياب، الذي قلّل من مستوى التنظيم، وقارن بين التنظيم في الجزائر والمغرب، مرجّحًا كفة الأول. تصريح صادم، لأنه يتناقض مع حقيقة شهد بها صحفيون دوليون، رياضيون كبار، مسؤولون قاريون، وآلاف الزوار والمتابعين. ولذلك، لم يُفهم هذا التصريح كمجرد رأي تقني، بل اعتبره كثيرون اعترافًا ضمنيًا بتجنيد الخطاب الإعلامي لخدمة مسار التشويش، بل وفي الآن نفسه اعترافًا غير مباشر بأنه جند نفسه من أجل إنجاح إفشال هذه التظاهرة عبر ضرب صورتها التنظيمية في لحظة حساسة قارّيًا ودوليًا.
قبل تنفيذ ركلة الجزاء الحاسمة، انتشرت مقاطع فيديو تُظهر مغاربة—طلبة ومقيمين—في السنغال، في حالة خوف حقيقي، وسط محاصرة وتهديدات. وسمعت أصوات مغاربة يرفعون الدعاء بأن تُضيَّع ركلة الجزاء، لا كرهًا في الفوز، بل خوفًا من انفلات أمني قد يكلّف أرواحًا بريئة. تلك اللحظة وحدها تختصر حجم الاحتقان الذي صُنع عمدًا، وتُظهر إلى أي حدّ تم اللعب بالنار.
عقب المباراة، شهد محيط الملعب حالات اقتحام وفوضى: اعتداءات على صحفيين وتكسير معداتهم، إصابات في صفوف الأمن، ارتباك عام كشف خطورة الخطاب التحريضي حين يتحول إلى واقع ميداني. ورغم تضارب بعض الروايات، فإن المؤكد أن الوضع كان على حافة الانفجار، وأن سيناريو الفوضى كان جاهزًا في انتظار الشرارة.
ما يُحسب للمغاربة—لاعبين وجماهير—أنهم لم ينجرّوا إلى الفخ. فخ كان يمكن أن يؤدي إلى خسائر في الأرواح، توتر خطير بين شعوب إفريقية، وضرب صورة المغرب كبلد منظم وموثوق، خاصة في ظل ملف تنظيم كأس العالم 2030. اختار المغرب الحكمة بدل الفوضى، وضبط النفس بدل الرد الغريزي، ففشل المخطط وسقط الرهان.
في خضم هذا الغضب المشروع، نوجّه نداءً صريحًا وواضحًا: نرجو عدم تصعيد الخطاب العنصري تجاه الشعب السنغالي الشقيق القاطن بالمغرب، لأن الخلاف—مهما بلغ—لا يبرر تعميم الاتهام ولا استهداف الأبرياء. قال الله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى». وقال أيضًا: «ومن يعمل سوءًا يُجزَ به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا». المحاسبة تكون بالقانون، وبمعاقبة من ثبت تورطه فقط، لا بتحويل الغضب إلى فتنة اجتماعية.
ما جرى لا يمكن فصله عن التنافس حول تنظيم كأس العالم 2030. نجاح المغرب رياضيًا وتنظيميًا أزعج أطرافًا لم تستسغ أن يُدار النجاح بالكفاءة لا بالضجيج، فاختارت طريق التشكيك بدل الاعتراف. لكن الرسالة وصلت: المغرب لم يُستدرَج، ولم يسقط، ولم يخسر بوصلته.
في هذا السياق، لا بد من توجيه شكر صريح لفوزي لقجع على صموده وتدبيره الرصين وسط حملة مفتعلة، وتحية كبيرة للمدرب وليد الركراكي وكافة أعضاء المنتخب الوطني، ولكل اللاعبين على روحهم العالية وأدائهم المشرف، فهم العمود الفقري للإنجازات الكبرى، من نصف نهائي كأس العالم 2022 إلى المرتبة الثامنة عالميًا. كما نخص بالشكر أيضًا كافة أعضاء المنتخب الوطني، الذين رفعوا اسم المغرب عاليًا بمهنيتهم وتفانيهم. ونثني على إبراهيم دياز الذي ضيّع ركلة الجزاء في لحظة ضغط هائل، فتحمّل المسؤولية بشجاعة، وكان عنوانًا للأخلاق الرياضية.
ولا يفوتنا الإشادة بالإطلالة المشرقة لمولاي رشيد في الحفل النهائي، التي أضافت رونقًا خاصًا على الحدث وجعلت اللحظة أكثر إشراقًا وبهجة لكل المغاربة.
وفي الختام، ندعو الله عز وجل أن يشفي صاحب الجلالة الملك محمد السادس شفاءً عاجلا شفاء لا يغادر سقمًا، وأن يشدد أزره بأخيه الأمير مولاي رشيد، وأن يحفظ ويبارك لنا في ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وأن يحفظ بلدنا المغرب من كيد الكائدين الحاقدين، وأن يبقى هذا الوطن قويًا بحكمته، متماسكًا بشعبه، ثابتًا في مواقفه. وسيبقى شعارنا دائمًا:
الله – الوطن – الملك




















