بلاحدود bilahodoud.ma
تعيش عدد من المدن الفرنسية، خلال الفترة الأخيرة، على وقع موجة من الاحتجاجات الطلابية التي يقودها تلاميذ وطلبة، احتجاجا على ما يعتبرونه نقصا في أطر التدريس وتراجعا في ظروف التمدرس، قبل أن تتطور بعض هذه الاحتجاجات إلى مظاهرات شهدت أعمال تخريب واشتباكات، ما فرض على السلطات الفرنسية التعامل معها أمنيا، وسط إغلاق ما بين 400 و500 مؤسسة تعليمية بدعوى غياب شروط السلامة.
غير أن اللافت في خضم هذه التطورات، وفق ما يثيره متابعون للشأن العام، هو الصمت الذي خيم على فئة اعتادت إبداء مواقف حادة تجاه الأوضاع الداخلية بالمغرب، بينما تبدي في المقابل اهتماما واسعا بكل ما يصدر عن فرنسا، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة نقاشا قديما حول ما يعتبره منتقدون لهذه الفئة ازدواجية في المعايير عند التعاطي مع الأحداث التي تقع في المغرب مقارنة بما يجري في فرنسا.
وتستحضر هذه الانتقادات، في هذا السياق، مواقف سابقة ارتبطت بجدل مقاطعة عدد من المنتجات والشركات الفرنسية بالمغرب سنة 2018، حين وجهت انتقادات إلى دعوات المقاطعة، كما يستحضر أصحاب هذا الطرح مواقف أخرى رافقت تداعيات زلزال الحوز سنة 2023، على خلفية عدم لجوء المغرب إلى طلب المساعدة من فرنسا، مقابل قبول مساعدات من دول أخرى.
وبالمقابل، ومع تواتر صور الاحتجاجات وأعمال العنف والتخريب القادمة من عدد من المدن الفرنسية خلال هذا الأسبوع، يطرح صمت هذه الفئة تساؤلات حول مدى انسجام مواقفها السابقة مع مواقفها الحالية، خصوصاً أن الحراك الطلابي في فرنسا يرتبط، بحسب المعطيات المتداولة، بمطالب ذات صلة بالمدرسة العمومية وظروف التدريس والسياسات التعليمية.
كما أن هذا الواقع يعيد إلى النقاش الطريقة التي يتم بها تقديم التجربة الفرنسية في بعض الخطابات باعتبارها نموذجا ديمقراطيا وحقوقيا، في وقت تُظهر فيه الأحداث الأخيرة لجوء السلطات الفرنسية إلى إجراءات أمنية للتعامل مع احتجاجات اتخذ بعضها منحى تصعيديا، وهو ما يفتح المجال أمام مقارنة هادئة بين كيفية تناول التدخلات الأمنية في فرنسا وتلك التي شهدها المغرب خلال احتجاجات سابقة.
وفي هذا السياق، يستحضر منتقدو هذا التيار مواقف صدرت خلال احتجاجات ما عرف بـ”جيل زد” في المغرب، حيث ارتفعت أصوات تنتقد طريقة تعامل السلطات مع الاحتجاجات، وتحدثت عن القمع والتضييق، فيما ذهبت بعض المواقف إلى المطالبة بدعم منظمات حقوقية محلية ودولية، مع التشديد على ضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المحتجين.
وتتجدد، في المقابل، أسئلة المقارنة مع ما يجري في فرنسا، حيث تدخلت القوات العمومية لاحتواء الاحتجاجات وفق القواعد والإجراءات التي تعتمدها السلطات الفرنسية، بينما كان التعامل مع التدخلات الأمنية في المغرب موضوعا لانتقادات حادة من بعض الأصوات نفسها.
وبعيدا عن الاصطفاف أو إطلاق الأحكام المسبقة، فإن هذه التطورات تضع مسألة ازدواجية المعايير أمام اختبار حقيقي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواقف تتغير بحسب البلد الذي يشهد الاحتجاج أو الجهة التي تتولى تدبيره. فالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة يكتسب قيمته عندما يكون مبدأ ثابتا، وليس موقفا مرتبطا بمكان الحدث أو بهوية السلطة التي تتعامل معه.
كما أن الحراك الطلابي الفرنسي يطرح بدوره أسئلة حول واقع المدرسة العمومية، وظروف التدريس، ونقص الموارد البشرية، ومدى قدرة المؤسسات الفرنسية على الاستجابة للمطالب الاجتماعية المتصاعدة، وهي قضايا لا تختلف في جوهرها عن المطالب التي ترفعها حركات طلابية وشبابية في دول مختلفة حول العالم.
وفي المحصلة، فإن التطورات التي تشهدها فرنسا تعيد فتح النقاش حول ضرورة اعتماد معيار واحد في قراءة الاحتجاجات والأزمات الاجتماعية، بعيدا عن الانتقائية أو النظرة المثالية إلى أي تجربة أجنبية، كما تفرض على مختلف الأصوات التي تنخرط في النقاش العمومي أن تتعامل مع الوقائع بالقدر نفسه من الموضوعية، سواء تعلق الأمر بفرنسا أو بالمغرب.
فالمعيار الحقيقي لأي خطاب حقوقي أو ديمقراطي يظل في مدى قدرته على الدفاع عن المبادئ نفسها عندما تتغير الجغرافيا والجهات والأطراف، لأن احترام الحريات والحقوق لا ينبغي أن يكون مرتبطا ببلد دون آخر، ولا بسلطة دون غيرها.


















